رائحة أشجار اليوسفى والياسمين تتسلل إلى أنفك، عربات الجيب الروسى تتزاحم لتنقل الأهالى فى صندوقها الصغير، أصوات الأعيرة النارية تصدح فى الأفق، وأزيز الكراكات والأوناش التى تهدم الفيلات يتصاعد كلما اقتربت من شوارعها شديدة الضيق، التى تحفها المزارع وأشجارها المثمرة، لا يتخيل عابر غريب أن تكون تلك الحدائق ستاراً ودروعاً لـ«دواليب» المخدرات وعصابات سرقة السيارات، وأن يعيش وسط تلك الأشجار المتشابكة الغصون عدد كبير من الهاربين وعصابات مدججة بالأسلحة الثقيلة، هنا المثلث الذهبى، كما يحلو للجميع أن يسميه، أربع قرى متلاصقة حلت عليها لعنة عصابات تهريب وبيع المخدرات، «الجعافرة وكوم السمن والحزانية والقشيش»، هنا تعم تجارة الموت ولا يعرفون سوى لغة السلاح.
الزهو بمقتل ضابط شرطة هو شعار لكبار رجال العصابات يتباهون به فيما بينهم، رصيد كل منهم يضج بعدد لا بأس به من أحكام الإعدام، وسنوات من السجن تكفى لتبقيهم خلف القضبان مدى الحياة، وسعى نحو القرى كم لا بأس به من الحملات الأمنية، التى فشلت فى القضاء على تلك القلعة الكبيرة لتجارة المخدرات فى محافظة القليوبية، حتى إن حكايات الموت تتناقلها الألسنة، والخوف يرابط داخل الصدور، ولا تنهيه عربات الشرطة ولا مدرعات الأمن التى تنتشر وسط شوارع القرية.
«الوطن» زارت مثلث تجارة الموت، لتكون على خط المواجهة بين الحملة الأمنية الشرسة، وتجار المخدرات، التى اشتعلت بعد قتل الضابطين، المقدم مصطفى لطفى، رئيس مباحث ثان شبرا الخيمة، من قبل عصابة كوريا، والنقيب إيهاب إبراهيم، معاون مباحث قسم شرطة الخانكة، من قبل عصابة الدكش.
عيون شاخصة وأخرى زائغة، تتفحص الغرباء، تبدل الحال فى القرى اختفت «دواليب» المخدرات وهرب التجار بعد مداهمة الشرطة لمنازلهم، ولكن يؤمن أهل قرى المثلث الذهبى أن المواجهة لن تطول، وأن الحال سيعود لما كان عليه، وأن الوجود الأمنى مؤقت، حسب اعتقادهم، ولن تنجح الشرطة فى القبض على كبار التجار الذى يتخذون من أشجار الجوافة والرُمان دروعاً تحميهم.
قبل 10 سنوات كانت أصوات طلقات نارية تصدح فى الأفق، الجميع يهرولون إلى منازلهم، خبر تبادل إطلاق النيران بين عصابة «أحمد أدهم» والشرطة، بقرية كوم السمن، أحد أهم أضلاع المثلث الذهبى، انتشر كالنار فى الهشيم، حتى خرجت جثة الرجل الذى كان ملء السمع والبصر فى القرية، مضرجاً فى دمائه، ولكن كانت المفاجأة هى قتله وإلى جواره أحد ضابط الشرطة ومبلغ مالى كان يقدمه كرشوة لتسهيل عمليات تجارة الموت، مشهد لم يغب عن مخيلة «ح. ع»، ورسخ لديه قناعة دائمة أن «عمليات الاتجار بالمخدرات فى قريته الجعافرة وقرى المثلث الثلاث، تعمل تحت أعين الشرطة وبرضاها، وبتواطؤ من ضباطها».
الرواية التى يقصها «ح»، دفعته للإيمان بأن الحملة الأمنية العنيفة التى تقوم بها قوات الشرطة الآن بعد مقتل 2 من ضباطها ما هى إلا «مسرحية»، ستنتهى آجلاً أم عاجلاً، وسيعود «الدكش» وكبار تجار المخدرات الفارين مرة أخرى، ليعيدوا الكرة، ويشيدوا من جديد «قلاع» وفيلات بدلاً من التى هدمتها قوات الشرطة: «فلوسهم كتير ويقدروا يبنوا بدل الفيلا عشرة، وكل اللى بيحصل ده مش فارق معاهم»، مشيراً إلى وجود الحملة الأمنية منذ عامين فى قرية الجعافرة، وتجارة المخدرات مستمرة دون هوادة، بجانب حضور «الدكش» أحد أكبر تجار المخدرات، الذى قتل أحد الضباط قبل أيام من جنازة والده التى أقيمت بالقرب من منزله المتاخم لمقر استقرار الحملة الأمنية. ويشير الشاب الثلاثينى إلى أحد المصارف الزراعية، الذى يقع خلف القرية «الرشاح»، ويقول إن آخر جرافة قررت توسيع مجرى المصرف لم تكن تخرج أسنانها طمياً بل جثثاً وأشلاء، تلك هى المقبرة التى يلقى فيها كل من يقرر أن يدفع بنفسه للتهلكة ويقف فى وجه تجار الموت، قائلاً: «اللى بتسمعوه عن المثلث مايجيش واحد فى المية من الحقيقة، هنا الموت أسهل من أى شىء ممكن تتخيله، وتمن الرصاصة عندهم أرخص كتير من تمن شمة البودرة».
ليست الحملة الأولى، ولن تكون الأخيرة، يقولها «ح» مؤمناً بأن تجارة المخدرات أصبحت جزءاً من المثلث الذى يصفونه بـ«الذهبى»، فالجميع يعيش من ريعها فمن لا يعمل بها، يعيش على البيع والشراء لمن تجلبه من غرباء إلى القرية.
أصوات الهدم فى القرية لم تتوقف، تتحرك الحملة الأمنية بقوة نحو فيلات «الدكش» وأسرته المعروفة باسم عائلة «البكالشة» لا تبقى ولا تذر، ليس «الدكش» وعائلته وحدهم الذين يتاجرون فى المخدرات، ولكن هناك أمين موسى الهارب، تقول «ل. ق» سيدة عجوز، إن أمين موسى كان يعمل سائقاً لدى أحمد أدهم، أكبر تجار المخدرات، الذى قُتل عام 2006. تقطن الجعافرة ثمانى عائلات كبرى، يعمل ثلاث منها فى تجارة المخدرات، «البكالشة» التى ينتمى إليها الدكش والمعروفة أسرته بأولاد حافظ أمين، وهو أحد كبار تجار المخدرات، وأمين موسى، والعمامرة، وهم تجار جملة، و«كوريا» المنتمى لعائلة ولاد الغريب.
«س. ح»، شاب ثلاثينى، من شباب القرية، يقول إنه منذ زمن دخلت المخدرات القرية، ويقدرها من الأربعينات، فمنذ ولادته ويعرف أن القرية تعج بتجار المخدرات، تربى على مشاهد أوكار التعاطى داخل مزارع بين أشجار الجوافة والرمان، الكثير من أصدقاء الدراسة تسربوا للتعليم وحملوا الأسلحة وانضموا للعصابات، وآخرون أنهوا تعليمهم لينضموا لطابور من الواقفين على جانبى طرق القرية ينتظرون الغرباء لبيع الحشيش والبودرة، وجميع ما يمكن أن تتخيله. يقول «ح»، الذى يعمل فى إحدى المصالح الحكومية، إن من يعمل من أهل قرى المثلث مع تجار المخدرات، هم أبناء العائلات الفقيرة، والضعيفة، لكى يكون لهم «ضهر» يستندون إليه، ويعتمد تجار المخدرات حسب روايته على عدد كبير من السودانيين والفلسطينيين، حيث تصل أجرة الفرد فى عصابة «الدكش» على سبيل المثال إلى 1000 جنيه يومياً، سواء من يحملون السلاح لحماية «دواليب» المخدرات بين أشجار الجوافة، ومن لا يعمل بشكل مباشر من أهل القرية فى بيع وتأمين المخدرات، يعملون فى المتجزئة داخل مخازن التقطيع والتفريغ، بخلاف «المخزنجية»، ممن يتكفلون بوضع المخدرات فى منازلهم مقابل مبلغ مالى متفق عليه: «يصل دخل كل عصابة يومياً إلى 200 و300 ألف جنيه على أقل تقدير». يقدر «ح» أن أكثر من نصف أهل قرية الجعافرة، يعملون مع العصابات، حيث يصل عدد أهل القرية إلى 18 ألف نسمة، وأكثر من 90% من أراضيها تزرع بأشجار الجوافة، والمشمش والرمان، التى تستخدمها العصابات كستار ودروع لا تستطيع الشرطة تجازوها، فمجرد أن يحين الليل مستحيل أن يخترق رجال الشرطة الظلام الدامس الذى تغرق فيه تلك الأراضى الشاسعة.
فى شارع الترعة، حيث تستقر فيلا «الدكش»، إلى جوارها أخذت قوات الشرطة فى هدم منزل «راندا» حافظ شقيقة «الدكش»، تحت حماية عدد كبير من أفراد القوات الخاصة، والأمن المركزى، الجميع على استعداد، الأسلحة مشهرة، الأعين شاخصة، يمر أحد أمناء الشرطة على الجنود، يحذرهم قائلاً: «كله يركز، الدنيا ممكن تتقلب فى ثانية علينا».
فى رفقة الحملات الأمنية التى تدك قلاع تجار المخدرات، عدد من العاملين فى الوحدة المحلية، أحدهم يرتجف من الخوف حينما يتذكر إمكانية انتهاء الحملة دون الوصول لـ«الدكش» وكوريا، ويقول مرتعشاً: «ديه تبقى مصيبة علينا كلنا»، فالرجل الذى يدعى «ى. ى» يقول إنه بمجرد انتهاء الحملة دون القبض عليهم، سيعودون للقرية والانتقام من كل من شارك فى هدم منازلهم: «هيقتلونا كلنا وأول حد هييجوا عليه بتوع الوحدة المحلية، وإحنا مش قدهم». يقول «ى» بعينيه الزائغتين، والحروف التى تخرج بالكاد من بين أسنانه، إن جميع المنازل التى تهدمها الحملة، هى فارغة وخاوية على عروشها منذ عامين، تركتها عصابات المخدرات وفرت نحو المزارع، التى تتخذ منها ستاراً وحماية، وإن عمليات الإزالة تتم لعدم وجود موافقات بناء على الأراضى الزراعية، مما يجعل تلك المبانى مخالفة وصدرت لها قرارات إزالة سابقة لم نكن نستطيع تنفيذها ولكن اليوم تنفذ تحت حماية الحملة الأمنية. أسلحة مضادة للطائرات، وجرينوف، ومدافع رشاشة «غربى»، أوروبية الصنع، كلها أسلحة يشير الرجل إلى إنها بأيدى العصابات، التى أخذت فى بناء تلك الفيلات والمنازل والقصور شاهقة الارتفاع بعد ثورة 25 يناير، حيث فروا من السجون خلال عمليات فتح السجون، وعادوا إلى «الجعافرة» وأخذوا فى تشييد تلك القصور، التى اتخذوا منها مكاناً آمناً لتخزين السيارات المسروقة، حيث أصبحت المنطقة بعد الثورة أكثر الأماكن التى تتجمع فيها السيارات المسروقة من كافة أنحاء الجمهورية، وهى المهنة الجديدة التى عمل بها تجار المخدرات فى الجعافرة بعد الثورة، وفى ظل الغياب الأمنى.
الرجل الخمسينى، يقول إن بعد قتل كوريا لضابط شرطة ومن بعده الدكش «الروس اتساوت»، حيث يتفاخر كبار تجار المخدرات فى القرية بما قتلوه من ضباط الشرطة، مشيراً إلى قتل أمين موسى لضابط شرطة قبل الثورة، وتبعه فى ذلك التقليد «الدكش وكوريا»، ويتذكر الرجل حين اشتعلت الحرب بين الثلاثة، فظهرت جميع الأسلحة التى كانوا يخبئونها، وهرب الفقراء من الأهالى للمنازل يحتمون بها، فى ظل تلك الحرب الضروس، التى استمرت لشهور، قبل أن يتدخل بعض العقلاء لينهيها. «عربية مقابل شمة بودرة»، يبدو الثمن زهيداً ولكن بالنسبة، حسب رواية «م. ا»، هى طريقة التعامل مع متعاطى المخدرات بعد الثورة، الذين كانوا يتوافدون على القرية لتسليم العربات المسروقة للدكش وكوريا والعاملين فى المخدرات، حتى أصبحت القرية تضج بمخازن السيارات المسروقة.
«ن. س»، من إحدى العائلات الكبرى بالقرية، لا يعمل بتجارة المخدرات، ولكنه على علاقة وثيقة بهم: «إحنا فى بلد فلاحين، وتجار المخدرات من عائلات كبيرة ولازم يكبروا للعائلات التانية دية تقاليدنا»، استغل تلك العلاقة لإعادة الكثير من السيارات المسروقة لأصحابها، لم تكن علاقته بهم تعفى صاحب السيارة من دفع المقابل المادى المطلوب، ولكن كانت تؤمن عودة العربة، حيث فى الكثير من الأحيان لا تعود العربة، بعد دفع الفدية التى تحددها العصابات.
عصابة «الدكش» واحدة من أهم العصابات التى تسكن القرية، ورث مهنة تجارة المخدرات عن والده «حافظ أمين» مسجل خطر وافته المنية قبل شهور، كان يتربع على رأس تجارة المخدرات فى القرية، وينتمى لأكبر عائلات القرية والمعروفة باسم «البكالشة»، الذين يعمل عدد منهم فى تجارة المخدرات، وتظهر منازلهم متراصة فى شارع الترعة مشيدة على أحدث طراز، ولكن يعتبر «ن. ع»، أحد أكبر رجال عائلة البكالشة، أن «الدكش» وأشقاءه من «أولاد حافظ» أصبحوا عبئاً على العائلة، وأن هناك الكثير من الشرفاء من أبنائها أُخذوا بذنبهم، رغم أنهم «لو طلنا نسلمه هنسلمه، لكن ده محدش يقدر عليه».
يقول الرجل الذى وافق على الحديث لـ«الوطن»، شريطة عدم إعلان هويته، خوفاً من «الدكش»، والأمن، حيث يعيش هو وبقية أسرة البكالشة بين شقى الرحى، حيث يقتحم الأمن منزلهم مع كل حملة أمنية بحثاً عن «الدكش»، فيما يتهمه الدكش نفسه بمحاولة مساعدة الشرطة للقبض عليهم، وهو ما يعرضهم لصب غضبه عليهم بعد عودته مع انتهاء كل حملة أمنية تداهم القرية، حيث أطلق النيران على منزل أحد أكبر عوائل العائلة، الذى يتحدث لـ«الوطن»، وحاول قتله قبل ذلك.
يقول «ع» الذى تحتفظ «الوطن» باسمه، إن أولاد حافظ أمين سواء الدكش أو أشقاؤه هم وحدهم من يعملون فى تجارة «الصنف»، وإن جميع أبناء العائلة يتبرأون منهم، ويتبرأون من أى فرد يساعدهم فى العائلة، وإن عائلة الدكش كانت الفرع الفقير فى عائلة البكالشة، ولكن بعد تجارتهم فى المخدرات وصلت ثروتهم إلى 600 مليون جنيه. لم يكن «ع» وحده من عائلة البكالشة الذى تحدث لـ«الوطن»، ولكن «س. ف» أحد أكبر عمداء العائلة، الذى يتهم الشرطة بشكل واضح وصريح بمساعدة «الدكش» وعصابته، ويقول إن هناك بعض الضباط الذين أشار إليهم بالاسم والصفة يتقاضون رواتب شهرية من عصابة «الدكش» نفسه، لتأمين عمليات تجارة المخدرات داخل القرية، وليس الدكش وحده، ولكن جميع تجار المخدرات، سواء تجارة الجملة أو القطاعى، لتأمين حمايتهم، سواء من الضباط أو أمناء الشرطة، ولإبلاغ العصابات بأى حملة مداهمة أمنية للقرية ليتمكنوا من الفرار، بل ويقومون بإبلاغ «الدكش» و«كوريا» وجميع الهاربين بتحركات الحملة، للهروب من الأماكن التى يأوون إليها.
وأضاف «س»، أن ضباط الشرطة الذين يعاونون عصابات التهريب ويتقاضون منهم الأموال، هم: «ع. أ» بفرع البحث الجنائى، وتم نقله قبل أيام، و«أ. ع»، بمباحث مركز شبين، ونقل أيضاً بعد مقتل الضابطين، بجانب بعض ضباط قسم شرطة شبين القناطر «أ. س»، و«أ. ف».
وأن تجار المخدرات ممن يبيعون المخدرات بالجملة لأولاد حمزة وعلى رأسهم الدكش ما زالوا قابعين فى قرية «الجعافرة» وهم: «وحيد. ع»، و«ناصر. ع»، والعوامر و«رضا. ف»، و«محمود. ف»، بحانب عائلة «العمامرة»، ويغدقون الأموال على ضباط قسم شرطة شبين القناطر، «أ. س»، و«أ. ف». ويقول إن «أ. س»، و«أ. ف» هم من يحركون «الدكش» وعصابته، ويوجهونهم فى أماكن بعيداً عن تحركات الحملة الأمنية الحالية، وهم قناة الاتصال الوحيدة، وتوصل لهم كافة المعلومات والبيانات، ويسميهم برأس الأفعى.
ويضيف الرجل غاضباً أن الحملة الأمنية تعمل فى القرية منذ عامين وتركت كبار تجار المخدرات والبلطجية، حتى «فحلوا» ووصل دخلهم لـ100 ألف و200 ألف يومياً، وأن عمليات تجارة المخدرات كانت تتم فى وجود الحملة الأمنية، وكل ما تقوم به هو تدمير منازل العائلات التى ينتمى لها بعض أفراد العصابات: «ميعرفوش يمسكوهم فييجوا يخربوا فى بيوتنا»، مؤكداً أن عائلة البكالشة يصل عددها إلى 800 فرد، 4 فقط منهم يشكلون عصابة الاتجار فى المخدرات التى يتزعمها الدكش.


تعليقات
إرسال تعليق