بيزنس "الحيوانات المفترسة".. تجارة بين "أنياب الكبار" (تحقيق)




عادت للتو من مدرستها، بدلت ملابسها فى لهفة، فقد حان موعد خروج والدها، وقد وعدها صباحاً باصطحابها معه إلى مقر عمله بإحدى المزارع القريبة من منزلهم، والمستقرة إلى جوار مزرعة عالية الأسوار، وهناك أخذت الطفلة «أمانى» ذات الـ12 عاماً فى اللعب برفقة أطفال قرية الفقيرة «العياط» الواقعة فى جنوب محافظة الجيزة.

 لم يرهب «أمانى» زئير الأسود وزمجرة النمور التى تعالت من داخل تلك المزرعة، فقد اعتادت على سماعها تصدح فى الأفق كلما دنت من أسوارها، ولكن كان الأمر أكبر من مجرد أصوات حيوانات مفترسة تتعالى، كان ثمة شىء آخر يتحرك بالقرب منها، وما لبث أن باغتها نمر شرس ضل طريقه نحوها بمخالبه الحادة فانفجرت نافورة دماء من رقبة الصغيرة، لتسقط على الأرض، وتلقى مصرعها على الفور.

 اشتعل غضب أهل القرية، خرجوا عاقدين العزم على الانتقام لدماء ابنتهم، ولم يجدوا ما يشفى غليلهم سوى قتل ذلك النمر الشرس، لينفق الحيوان الذى خرج من محبسه داخل المزرعة، بعدما أضناه الجوع والعطش داخل أقفاص غير محكمة، لم يراع مالكها رجل الأعمال عمرو سعد الاشتراطات الدولية ولا الآمنة، فى حماية جيرانهم من البشر من أنياب الحيوانات المفترسة التى يقتنيها.

 أحدثت قصة «أمانى» التى وقعت فى سبتمبر الماضى ضجيجاً وزخماً إعلامياً، وعلى الفور، قررت وزارة الزراعة وقف أى تراخيص جديدة أو منح تجديد للمزارع التى تربى الحيوانات المفترسة، بمحافظات الجمهورية، لحين إعادة دراسة الضوابط والاشتراطات اللازمة، ولكن ذلك القرار لم يوقف تلك التجارة التى يعمل جزء منها فى الظلام، وهو ما يتم الكشف عنه فى هذا التحقيق.

فى هذا التحقيق الموثق بالصوت والصورة، تكشف «الوطن» عن توغل السوق السوداء لتجارة الحيوانات المفترسة فى مصر، التى تلقى رواجاً كبيراً لدى راغبى «التباهى» ومستخدميها فى أعمال البلطجة والاعتداء على المواطنين، والتى تبيعها شركة «مقاولات» وهمية تربى حيوانات فى مزارع غير مرخصة، بخلاف مخالفة مراكز الإكثار المرخصة للشروط، مما يسمح لهم هم أيضاً بالعمل فى السوق السوداء فى ظل غياب الرقابة، وطرق تهريبها من وإلى مصر عبر الحدود والمطارات.

«الوطن» تخوض تجربة شراء شبل: مراكز تبيع أشبالاً غير مسجلة فى السوق السوداء.. و«الزراعة» ترد: لا يمكن وكل المواليد تسجل
تراخيص وقوانين

3 حدائق و6 مراكز إكثار للحيوانات المفترسة «مرخصة» من وزارة الزراعة فى جميع محافظات الجمهورية، تخضع لإشراف الجهات الرقابية بالوزارة ورغم ذلك كشف تقرير لجنة فحص مزرعة العياط، ومعاينة المكان الذى يعد أحد مراكز الإكثار المرخصة، أن المكان غير آمن، وأن أقفاص الحيوانات صغيرة للغاية، وأبوابها دون أقفال، وليست مقفلة بإحكام وغير مطابقة للمواصفات الدولية، مما يكشف الإهمال فى الرقابة على تلك المزارع المرخصة.

ومن أشهر مربى الأسود فى مصر، وأصحاب مراكز الإيواء والإكثار «المرخصة» هم «عائلة كوتة» بالسيرك القومى، وعمرو سعد «صاحب واقعة العياط»، وجمال عمر رجل الأعمال المقرب لمبارك، الذى هرب لأمريكا، وكان يمتلك مركزاً للإكثار بمدينة شرم الشيخ، وأشرف عنبة، وهو مشهور بأنه الوحيد فى مصر الذى يربى النمر الأبيض والأسد الأبيض، وهو (مستورد وسبق أن أهدى حديقة الحيوان بالجيزة ثلاث زرافات)، بخلاف حديقة الأسد على الطريق الصحراوى وحديقة أفريكانو.

وتعد وزارة الزراعة هى الهيئة الموكلة بإصدار تراخيص إيواء وإكثار الحيوانات المفترسة، وذلك بصفتها تتبع الحياة البرية، وتصدر الهيئة العامة للخدمات البيطرية التراخيص الخاصة بمزارع الحيوانات المفترسة، من أسود ونمور وفهود، ويتم ترخيص أى مزرعة بعد موافقة وزارة البيئة والداخلية أولاً، وتأتى تلك الشروط التى تضم إرسال لجنة مختصة من الهيئة العامة للخدمات البيطرية، لإعداد التقارير اللازمة بموقع المزرعة، الذى لا بد أن يبتعد 500 متر عن المناطق العمرانية، بالإضافة إلى عمل لجان لمعاينة وضع المزرعة من حيث شروط وقواعد الأمان، وتطبيق جميع الإجراءات الصحية والبيئية، وذلك حسب الموقع الرسمى لوزارة الزراعة.

أما شروط الاستيراد فتكون عن طريق التقدم بطلب إلى إدارة الحياة البرية بحدائق حيوان الجيزة، موضحاً به نوع وعدد الحيوانات ومنشأها وشحنها، حيث يتم الكشف على الصنف بقوائم السايتس، ثم يعرض على اللجنة العلمية للحيوان وعند الموافقة يتم أخذ الموقف الوبائى لدولة المنشأ من قبل الإدارة المركزية للحجر البيطرى والفحوص بالهيئة.

حدائق ومراكز إكثار «مرخصة» دون رقابة.. وسوق سوداء لـ«التباهى» والبلطجة
تحكم رعاية الحيوانات المفترسة والاتجار فيها فى مصر اتفاقية «السايتس»، وهى اتفاقية دولية لرعاية الحيوانات المهددة بالانقراض، ووقّع عليها البرلمان المصرى فى واشنطن عام 1973 وتم البدء فى تفعيلها فى عام 1975، وتعتبر من أهم المعاهدات الدولية التى تم إبرامها فى سبيل حماية العديد من الفصائل البرية من خطر الانقراض، لأنها تربط بين الحياة الفطرية والتجارة بأحكام ملزمة لتحقيق الأهداف.

زيارة لحديقة حيوان خاصة

بشاربه المجدول، وجلبابه الريفى، وقف صلاح طلبة منهمكاً فى تنظيف قفص الأسود، داخل حديقته الخاصة الواقعة فى قرية أبورواش، على بعد 6 كيلومترات من محافظة الجيزة، تعيش عائلة «طلبة» إحدى أكبر العائلات التى تربى الحيوانات المفترسة منذ أكثر من 200 عام، بدأت بالزواحف من التماسيح، وانتهاء بالثعالب والضباع والأسود التى ظهرت فى مزارعهم مؤخراً.

بالقرب من سوق للجمال، تستقر حديقة «طلبة» التى اسمها «أفريكانو» وفتحها للجمهور لزيارة حيواناته المفترسة، بالداخل يعيش أسد ولبوءتان، واثنان من الضباع وبعض القطط البرية، بخلاف الذئاب، داخل أقفاص حديدية محكمة، حصل على ترخيص بتربية تلك الأسود بعدما اشتراها من حديقة الحيوان بالجيزة، حيث إن تربية الأسود هى شىء جديد دخل على عائلتهم التى يتعدى عددها أكثر من 3000 فرد جميعهم يعمل فى تربية الزواحف والضباع والذئاب.

قبل مائتى عام لم يكن فى مصر عائلات تربى الحيوان سوى عائلة «كوتة» التى اختصت نفسها بتربية الأسود لإقامة السيرك القومى، وعائلة طلبة التى تعيش على اصطياد الزواحف والضباع والثعالب، ويقول: «من التسعينات بدأ بعض رجال الأعمال والأثرياء فى امتهان تربية الأسود المربحة، وبدأ المتاجرون بها يتعددون داخل إطار القانون وخارجه».

مجموعات مسلحة تستخدم الحيوانات لاستعادة الأراضى المنهوبة والديون.. وهناك أكثر من «نخنوخ» فى أنحاء مصر لديه حدائق خاصة
«المهنة لمت وبقت مهنة ما لا مهنة له»، بتلك الجملة عبر «طلبة» عن انتشار عمليات الاتجار بالحيوانات المفترسة بالسوق السوداء، قائلاً إن هناك الكثيرين يعدون بالمئات من أقاموا مزارع إكثار للحيوانات فى مزارع فى الصحراء بعيدة عن العمران كما هى بعيدة عن أعين الدولة للتجارة فيها.

تابع «طلبة» أزمة مزرعة عمرو سعد، رجل الأعمال صاحب مشكلة العياط، التى ظهر له من خلالها أن المزرعة غير مطابقة للمواصفات، مبدياً استغرابه من عدم وجود إشراف من الهيئات الرقابية فى وزارة الزراعة على المزرعة: «ما دام قررت تربى حيوان ويكون هو أكل عيشك يبقى لازم تعيش فى نفس المكان اللى هو عايش فيه، مش تسيبه لعامل يراعيه، ولما يغلط تضر السكان اللى حوليك»، ويصف «طلبة» ما حدث بالكارثة التى لن يعى مخاطرها سوى أصحاب المهنة الذين أضيروا من إهمال صاحب المزرعة: مشيراً إلى الكثير من التساؤلات التى أصبحت تحوم حولهم، بجانب وقف التراخيص.

وتابع «طلبة» ردود فعل جمعيات ومنظمات رعاية الحيوان العالمية، التى تابعت الحادث بشغف، خاصة أن النمر المقتول عربى، وهو من فصيلة نادرة للغاية، وهو ما «زاد الطين بلة»، فمصر قديماً وبالتحديد سنة 1983، كانت تحتل المركز الثالث فى أكثر الدولة الآمنة على الحيوان فى العالم، حسب منظمة «السايتس العالمية»، وفى عام 2010 انحدرت مصر للمركز 183 على مستوى العالم فى ظل تحول مصر لسوق مفتوحة لبيع الحيوانات واقتنائها دون حساب، ومنتظر أن تسقط أكثر من ذلك بعد حادث العياط الدموى.

على الجانب الآخر يجد «طلبة» أن السوق السوداء تعمل دون هوادة، وفى ظل غياب الرقابة من الدولة، ويقول إن مربى الحيوانات المفترسة فى مصر نوعان، الأول هم من أسماهم بـ«الغواة»، وهم أثرياء يرغبون فى اقتناء تلك الحيوانات المفترسة فى فيلاتهم ومنازلهم: «ناس معاها فلوس ومربى أسدين لمزاجه، ولا ورق ولا بيئة ولا وزارة ولا تصاريح ولا أى كلام»، والفريق الثانى يسترزقون منها: «ياكلوا من وراها عيش»، سواء من خلال تربيتها وبيعها «عشان يكسبوا من وراها شوية دولارات من تهريبهم للخليج أو بيع للغواة» أو من خلال استخدامها فى المناطق السياحية.

«إدى العيش لخبازينه»، يقولها أسامة طلبة، شقيقه الذى يجلس إلى جواره، ويرافقه فى نفس المهنة التى توارثوها أباً عن جد، يؤّمن على حديث شقيقه، ويطالب بإيقاف عملية بيع الحيوانات المفترسة فى مصر، لأن السوق السوداء أصبحت تتحكم فى كل شىء، وهناك إهمال كبير من العاملين فى تلك المهنة، وبخاصة المستجدون عليها: «واحد مش ابن الكار يشتغل فيها ليه وبعدين يعملوا كوارث ونتحمل إحنا مصيبتهم».

رئيس قطاع الحياة البرية: مزرعة العياط عمرها أكثر من 25 عاماً وحاصرتها المبانى من كل اتجاه وهناك من حاول تهريب النمر
أسد على المقهى

لم يرق للأسد الرابض إلى جوار صاحبه على مقهى بلدى فى أحد الأحياء الشعبية فى وسط القاهرة، محاولات نادل المقهى للعب معه، فوثب نحوه ضارباً بيده كتفيه، ليسقط مغشياً عليه، حاول صاحب الأسد احتواء الموقف وتعويض النادل، وعلاجه على نفقته، واعتبر «محمود رشدى»، اسم مستعار لصاحب الأسد، أن هذا الحادث عرضى، خاصة أنه اعتاد على اصطحاب الأسد خلال تجوله فى شوارع منطقته الشعبية.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ولكن بينما كان «رشدى» جالساً على كرسيه داخل محل الحلاقة فى انتظار دوره، وإلى جواره أحد الأسدين اللذين يربيهما، فوجئ بزئير الأسد الغاضب من الحركات السريعة لصاحب المحل أثناء عمله، حاول تهدئته ولكن لم يفلح، حيث سرعان ما هاجم صاحب المحل بسرعة لافتة، ليسقط مكسوراً ساعده.

«رشدى» الذى تحدث لـ«الوطن» شريطة إخفاء هويته، قال إنه اشترى شبلين ورباهما من باب التباهى، وحب تربية الحيوانات، ولكن الحادثتين جعلتاه على قناعة أن عليه التخلص منهما، ولم يجد بداً من ذلك خوفاً من تعرض أهل منزله للخطر، خاصة بعدما قوى جسدهما وأصبح لا يقوى على إيقافهما.

من عمر 45 يوماً، حصل «رشدى» على الشبلين، اشتراهما من إحدى الحدائق الخاصة المرخصة التابعة لأحد أشهر مربى الأسود فى مصر، حصل عليهما دون أوراق، جاءا له «كهدية»، حسب قوله مقابل خدمات وصداقة تربطه بصاحب المكان، وحين سئم من اقتنائهما بعد تلك الحوادث: «بقى بيزوم، وصوته بقى أعلى ويضايق السكان، خلاص ما بقاش ينفع فى منطقة سكنية»، أهداهما إلى صديق قديم، لديه فيلا كبيرة، ويقتنى عدداً من الأسود، التى يضعها فى فيلته، نوع مما سماه «الوجاهة»، ليحدث «رهبة» داخل النفوس.

مربى حيوانات: أسود وأشبال نزلة السمان وسقارة تحقن بمخدر يومياً حتى
كانت أصعب اللحظات التى مرت على «رشدى» خلال فترة تربيته للأشبال، حينما فوجئ بطفله الصغير الذى لم يتعد عمره العامين يتسلل إلى قفص الأسدين، ويضع رأسه بين طعامهما، لحظات اعتصر فيها قلبه، ولم يجد مفراً من الحفاظ على هدوئه حتى لا يثيرهما، وتسلل لداخل القفص، وظل يراقبهما حتى انتهيا من طعامهما ليسحب الطفل فى هدوء، ولكن تلك الحادث لم تؤثر على حبه لهما، بل أطلق على طفله: «قلب الأسد»، متباهياً بما حدث بين أصدقائه.

ويقول «رشدى» إن هناك أطباء مشهورين فى عيادات بمدينة نصر متخصصون فى إجراء جراحات للأشبال الصغيرة والأسود لخلع الأنياب والأظافر حتى لا تكون خطرة على البشر، ولكن هناك رجال أعمال وأثرياء من مربى الأسود لا يقومون بتلك العمليات، حتى يكون الأسد فى كامل لياقته وشراسته لاستخدامه فى تجارب صيد برى فى الصحراء.

تابع رشدى أن صديقاً ثرياً له يربى الأسود: «أصل اللى غاويين تربية أسود فى مصر عددهم معدود ومعروفين لبعض»، ولديه أكثر من 150 عاملاً يخدمونها، ومع كل زيارة لأصدقائه الأثرياء من الخليج ينظم لهم رحلات صيد فى صحراء مرسى مطروح لتلك الأسود، ويطلقونها فى الصحراء لاصطيادها: «وبعدين ينزلوا من العربيات الملاكى، ويركبوا الخيل، ويبدأوا هم يصطادوهم، والحراس اللى معاهم كل واحد معاه بندقية خرطوش مرخص، والأسد إذا اتصاب مات، أو ما ماتش ياخدوه يعالجوه، كأنها رحلة صيد فى أدغال أفريقيا»، ويستطرد: «دى ناس مرتاحة وأهم حاجة عندها مزاجها».

ويقول «رشدى» إن من يقوم بتلك الرحلات فى مرسى مطروح يعاونهم بعض البدو الخبراء بدروب تلك الصحراء ويتقاضون حوالى 50 ألف جنيه مقابل التنظيم، وإن تلك الرحلات تحدث بشكل شهرى وفى بعض الأحيان سنوى: «حسب المزاج»، ويستطرد: «طبعاً بياخدوا تصاريح صيد أرانب برية من البيئة والمحميات لكن هم فى الحقيقة بيطلقوا أسود ويصطادوها»، ويقول إنه فى بعض الأحيان يطلقون الأسود ولا يستطيعون صيدها أو السيطرة عليها.

الداخلية الموازية والأسود

محمد الملاح، مربى أسود وحيوانات مفترسة، يأكل من ورائها عيشه، عبر إقامة حدائق حيوان مفتوحة ليوم واحد داخل المولات والأماكن العامة، ويربى تلك الحيوانات المتعددة من أشبال وأسود وثعالب وذئاب داخل فيلته الخاصة فى قرية أبورواش.

«الملاح» الذى سافر لأدغال أفريقيا من أجل تعلم «أصول الشغلانة»، ينتمى لعائلة عريقة فى تربية الحيوانات، ويقول إن مقتنى الأسود والنمور فى مصر ليسوا من الأثرياء وحسب، ولكن منهم من يعمل على «استعادة حقوق الناس» حسب تعبيره، وهم مجموعات من أصحاب النفوذ والقوة، والعلاقات النافذة، ومجموعات بعضها مسلح، يعملون على استرداد الأراضى المنهوبة وإعادتها لأصحابها، واسترداد الديون من المديونين بالقوة مقابل نسبة من تلك الحقوق المستعادة: «يرمى قدام الراجل اللى مش عايز يرجع الفلوس لصحابها حمار للأسد ياكله صاحى فيخاف ويرتجع.. يقول لو ما جبتش الفلوس لفلان هتخش للأسد».

بعض الأثرياء يربون الأسود والنمور لإعادة إطلاقها فى الصحراء واصطيادها من جديد حباً فى الصيد.. وصحراء مرسى مطروح مقصد رحلات الصيد.. و«ساعات بيطلقوا الحيوانات المفترسة وما يقدروش يصيدوها»
بصوته الأجش، يقول الرجل الخمسينى إن أكثر من كانوا يستخدمون الأسود فى تلك الوظيفة هو صبرى نخنوخ: «الله يفك سجنه.. ما كانش حد بيروح له إلا ويرجع له حقه على طول»، وهو عُرف إعلامياً بـ«أسطورة البلطجة فى مصر»، وقُبض عليه عقب ثورة 25 يناير بعد اتهامه بالبلطجة واستغلال النفوذ وحيازة سلاح دون ترخيص، وحين اقتحمت الشرطة فيلته الفارهة، وجدت لديه قفصاً كبيراً يحوى خمسة أسود ضخمة، ويشير «الملاح» إلى إن هناك الكثيرين مثل نخنوخ يعملون على استعادة الحقوق من خلال استخدام الأسود.

بكل زهو يقول «الملاح» إنه هو من أعطى صبرى نخنوخ تلك الأسود التى ضُبطت فى فيلته، بعدما أجرى لها جراحة لخلع الأنياب، والأظافر: «خليتهوله كلب جيرمن»، ويستطرد: «نخنوخ نفسه كان بيخاف من الأسود لكن هو راجل بيشغل دماغه وشغلته محتاجة الأسود دول».

طرق تهريب الحيوانات عبر حلايب والسلوم وسيوة.. وهى «نفس دروب» تهريب السلاح والمخدرات.. وليبيا معبر آمن من دول أفريقيا لمصر لعدم وجود قوانين تحكم الحياة البرية

«الملاح» تابع: أثرياء الخليج تسببوا فى رفع سعر الحيوانات المفترسة فى مصر، وفى التسعينات لم يكن يصل سعر الشبل الواحد إلى أكثر من عشرة آلاف جنيه، ولكن شراء الخليج لتلك الأنواع من الحيوانات بشراهة لتهريبها لبلادهم بالخارج تسبب فى رفع سعرها، حتى وصل الشبل لـ35 ألفاً: «ناس كتير فى مصر عندها أسود وما حدش يعرف عنها حاجة».

«الملاح» يقول إن هناك أكثر من 100 مركز إكثار حيوانات مفترسة لا يعرف عنها شىء، وتؤسس تلك المراكز شركات مقاولات «وهمية» تكون ستاراً لبيع وتجارة تلك الحيوانات المفترسة، تكون المقابلة داخل تلك الشركات والاتفاق وكل شىء، خاصة الاتفاقات مع أثرياء الخليج، ويكون التسليم على الطريق الصحراوى فى عربات نصف نقل بها صناديق كبرى مغلقة، وأهم شىء أن تلك المراكز مستورة فى الصحراء، فى مزارع كبرى لا يمكن الوصول لها حتى لا يفتضح أمرهم، وتكون كل المعاملات من خلال مقرات تلك الشركات، وتنتشر تجارة الأسود فى عدة مناطق منها منطقة أبورواش، وشارع السكة البيضاء، وناهيا بالجيزة، وطريق إسكندرية الصحراوى، وكينج مريوط، وسقارة ونزلة السمان.

الملاح، الذى يدرب المهندسين فى الصحراء على التعامل مع الزواحف السامة والحيوانات المفترسة، يقول إن أثرياء الخليج يقومون بتهريب تلك الأسود من خلال المطار، داخل أقفاص القطط «الشيرازى» لكثافة شعرها وقرب الشبه بينها وبين الأسد، ولكن لا بد أن يكون ذلك الشبل لا يتعدى عمره 45 يوماً حتى لا تستطيع سلطات الحجر البيطرى التفريق بينها: «بس برضه لازم يدفع ويرش رشاوى على الناس عشان الأمور تعدى وتمر».

فى شهر يونيو عام 2014 تمكنت الأجهزة الأمنية بمطار القاهرة الدولى من إحباط تهريب أسدين صغيرين «شبلين» داخل طرد بحوزة راكب قبل سفره إلى الكويت، حيث اشتبهت وردية التأمين فى حقائب راكب كويتى الجنسية، بعدما ظهرت أجسام معتمة على شاشة جهاز كشف الأمتعة وبالتفتيش عثر على 2 شبل أسد.

تهريب الأشبال داخل أقفاص القطط «الشيرازى» من المطارات.. وشركات مقاولات «وهمية» تبيعها للأثرياء العرب فى القاهرة والتسليم على الطريق الصحراوى.. وسوق الجمعة تكشف تورط مراقبى البيئة فى التجارة

منطقة سقارة ونزلة السمان، يربون الأسود ليستخدموها فى التصوير مع السياح، حتى سن 3 سنوات أو خمس سنوات على أكثر تقدير، ولكن بعدما تصل لست سنوات لا يستطيعون السيطرة عليها فيعيدون بيعها من جديد لهواة تربية الحيوانات المفترسة والحدائق الخاصة: «وكله طبعاً من غير أوراق وعد بقى كام أسد بيطلع ويتباع وييجى شبل غيره»، حسب رواية «الملاح».

فى مزرعتها لرعاية الحيوانات الضالة، منى خليل، رئيس جمعية رعاية الحيوانات البرية، تتابع عن قرب تلك المحال والمطاعم التى تنتشر إلى جوارها على الطريق الواصل بين أهرام الجيش وسقارة بالقرب من ترعة المريوطية، وكم من الإعلانات والدعاية لقضاء يوم ترفيه والتصوير مع الأسد أو النمر، أو ما شابه من الحيوانات البرية، فى مطاعم تستغل الحيوان أسوأ استغلال للكسب المادى.

وتقول «خليل» إنهم يحقنون تلك الحيوانات بالمخدر بشكل يومى حتى تكون مستسلمة خلال عملية التصوير إلى جوارها، وخوفاً من أى هجوم محتمل على الزبائن، فيما تراه انتهاكاً كبيرة لحقوق الحيوان المفقودة فى مصر، التى أُغرقت بفضل السوق السوداء بالحيوانات المفترسة، والتى أصبحت موجودة فى كل مكان، بعدما أصبحت مصر سوقاً كبيرة لتجارة تلك النوعية، ومعبراً دولياً لتهريبها.

لم تكن تلك الكافيهات والمطاعم وحدها التى تنتهك القوانين الدولية وأعراف حقوق الحيوان، حسب خليل، ولكن أيضاً مراكز الإكثار وإيواء الحيوانات المفترسة المرخصة من الدولة، التى ظهر بعضها على شاشات التليفزيون بعد الحادث يتباهى بأنهم يؤوون تلك الحيوانات بشكل آمن، ولكنهم فى الأساس ينتهكون حقوق الحيوان، ويضعونها فى بيئة لا تناسبها، فلا حجم الغرف ولا الحوائط والأرضية الأسمنتية تناسب طبيعة تلك الحيوانات، التى تحرص القوانين الدولية على أن تكون مراكز الإكثار والإيواء فى أماكن شبيهة بالبيئة الأم: «إحنا مش هنخترع العجلة.. ولكن مصر غير مؤهلة لتكون بها مراكز لرعاية الحيوانات.. وطالعين فى التليفزيون يقولوا نتعامل مع هيئات دولية، أتحدى حديقة حيوان واحدة فى العالم تكون بتتعامل معاهم.. وجميع تلك المراكز لا تلتزم بالأعراف العالمية».

وتقول «خليل» إن تجارة الحيوانات المفترسة فى مصر تدر الملايين، ويتحكم فيها أباطرة ورجال أعمال، ومعروفون بالاسم، ولا الدولة بأجهزتها الرقابية تقف لهم، ولا منظمات المجتمع المدنى المعنية بالحيوان تستطيع إيقافهم، و«كله على عينك يا تاجر.. ومن على الإنترنت».

«السايتس» ورعاية الحيوانات

مصر موقعة على اتفاقية دولية تسمى «سايتس»، وهى اتفاقية معنية بالحيوانات المهددة بالانقراض، وتضع محاذير بالاتجار والتداول والتعامل مع الحيوانات، وتفرض تلك الاتفاقية أن كافة الحيوانات البرية لها بصمة رقمية، معلقة فى كل حيوان، وتقيد عليها كل بياناته، ومن المفروض أن كل حيوان يسمح له بالمرور من المطارات خارج البلاد أن يكون مثبتاً بكل حيوان هذا الرقم.

عاملون فى تربية الحيوانات: يتحركون بها فى المناطق الشعبية وتجلس بجوارهم على المقاهى.. وتهاجم الناس أحياناً

فى واقعة تعتبرها «خليل» فضيحة على كل المستويات، كان السيرك المصرى، الذى يقتنى أسوداً فى طريقه للبنان لتقديم أحد العروض، وبصحبته تسعة أسود، وحسب الاتفاقية تقتضى أن يكون لكل منها بصمة رقمية مختلفة، فرع «السايتس» فى مصر المستقر داخل حديقة حيوان الجيزة سجل التسعة أسود ببصمة واحدة، والسؤال: «هل حد يعرف التسعة خرجوا ورجعوا زى ما هما؟ هل تعرض واحد فيهم لأى مشكلة؟».

وبالفعل وخلال مرور الرحلة للأردن صادرت جمعية «الملكة رانيا لرعاية الحيوان» أحد تلك الأشبال وكان ينزف دماً وكان فضيحة بكل المقاييس، حيث أجريت له عملية جراحية لخلع مخالبه، وأخذ ينزف دماء دون توقف لقلة خبرة الطبيب الذى أجرى تلك الجراحة التى تعتبر جريمة، ولكن الأزمة الأكبر كانت فى كيفية تعامل الجمعية مع شبل وهو بدون البصمة الرقمية الخاصة به، وغير مسجل، وأصبح ذلك الشبل غير معلوم الهوية أمام تلك المنظمة الدولية التى تحاول مساعدته، وهو ما يكشف مدى عدم التزام الهيئات الرقابية والبيئية المصرية بأى مواثيق دولية فى قضية رعاية الحيوان: «الدنيا سداح مداح» تقول «خليل».

«الدستور بيحافظ على حقوق الحيوان.. لكن لا يوجد لدينا قانون يفسر ذلك» تقول «خليل» وأن مصر تقع خارج التصنيف الدولى لحدائق الحيوان، بسبب أن حدائق الحيوان نفسها فى مصر غير مؤهلة لتربية الحيوان ورعايته، وعدم مطابقتها للمواصفات الدولية، فالحديقة الأم فى الجيزة، لا تصلح أن تكون مكاناً مناسباً للحيوان، ولا الرعاية ولا العمالة التى تفتقد التدريب، وهو ما يؤدى لوفاة الحيوانات باستمرار، التى لا يخرج بعدها أى تقارير تفسر تلك الوفيات.

وتابعت السيدة أن تربية الحيوانات المفترسة وصلت إلى المناطق السكنية المزدحمة، داخل الفيلات وفوق أسطح البنايات السكنية، متذكرة حادثة مدينة الرحاب التى سمع فيه الأهالى زئير الأسود، وحينما استغاثوا بالجيش اقتحم الفيلا وجدهم قد هربوا وهناك قفص كبير وجثة لأسد نافق.

تعمل «خليل» ومنظمات المجتمع المدنى بتقديم الكثير من الشكاوى للهيئات البيطرية للسوق السوداء لرعاية الحيوان: «بس لما تبص تشوف إن الشرطة المسئولة عن متابعة تلك التجارة هى شرطة المسطحات، هتقدر بقى على المسطحات المائية، ولا هتقدر تجارى تجارة الحيوانات المفترسة التى تستخدم فى تهريبها لمصر نفس مهربين السلاح والمخدرات».

تجد «خليل» أن الهيئات الرقابية البيئية فى مصر ضعيفة، ولا تستطيع مجابهة تلك المزارع والمراكز، التى ترتكب جرائم ضد الحيوان، بخلاف تعريض الإنسان لخطر دائم، فعلى سبيل المثال، هناك عيادات بيطرية تقوم بخلع مخالب الأسد وأنيابه، وذلك يعد إهانة للحيوان وتعذيباً وإساءة له، وجريمة يعاقب عليها فى الخارج ومن يقوم بها يسجن على الفور، ولكن فى مصر «عليه العوض ومنه العوض.. والرقابة زى قلتها».

تجربة شراء شبل

مكالمة هاتفية لأحد المعروفين بتربية الأشبال، دل عليه أحد المصادر، أخبراه «معدا التحقيق» بأنهما مكلفان من أحد رجال الأعمال بشراء شبل صغير، تمهيداً لتأسيس حديقة حيوان خاصة فى إحدى الفيلات بطريق المريوطية، ومن هنا كانت بداية الطريق لتلك التجربة، طلب معرفة النوع المراد شراؤه، ولكن قبل إتمام الصفقة لا بد من لقاء حتى يتم الاتفاق ومن أجل الاطمئنان «اليومين دول فيه قلق جامد قوى وخاصة بعد حادث البنت بتاعة العياط».

فى أحد الأحياء الراقية فى وسط القاهرة، وأمام محل لبيع الكلاب والحيوانات الأليفة، كان اللقاء ببائع الأسود، نسميه استعارة فى ذلك التحقيق «محمود عوض»، فى البداية قال إن فى ظل تلك الظروف لا يمكن اقتناء حيوانات مفترسة بدون ترخيص من وزارة الزراعة لتأسيس حديقة حيوان خاصة، وبناء عليه لا يمكن أن يبيع تلك الحيوانات إلا بوجود تلك الأوراق الرسمية، ودخل الرجل الخمسينى محله ليحضر مجموعة من الأوراق، منها رخصة مركز لإكثار الحيوانات من وزارة الزراعة مختومة بخاتم النسر، وتصاريح استيراد وتصدير، وقال إن الظروف لا تسمح ببيع أى أسود أو نمور دون ترخيص، وإنها مخاطرة، ولا يمكن مهما كان الثمن، خاصة أن الحادث صنع بلبلة كبيرة ومن يمتلك اليوم أسوداً لن يبيع، ولكن فى نفس الوقت كان لدى «عوض» عرض آخر، وهو الانتظار لمدة لن تتراوح ما بين شهرين أو ثلاثة على الأكثر، ووقتها سيكون الأمر متاحاً بعد أن تهدأ الأمور وتستقر، لتعود التجارة للعمل من جديد: «لأن موضوع تطلعوا رخصة حديقة حيوان خاصة يحكمها روتين معقد، ولجنة تجتمع وتعاين وموال كبير قوى.. لكن برضه لو عايز يطلع رخصة عندى اللى يساعده فى الوزارة»، واستطرد: «شغل من تحت لتحت موجود بس صعب اليومين دول».

ولكن طلب معد التحقيق استبعاد فكرة استخراج رخصة، وأنه لن تكون هناك مخاطرة وأنهم مستعدون لدفع ثمن مضاعف لإتمام صفقة بيع شبل دون أوراق، ولكن الأهم أن يكون ذلك فى أسرع وقت، تساءل «عوض» عن موقع تربية الشبل، خوفاً من أن يكون قريباً من الأماكن السكنية وهو ما يعرضه لانكشاف أمره إذا قبضت شرطة المسطحات على الأسد فى حوزة رجل الأعمال التابعين له سيكون من السهل الوصول له، ولكن طمأنه معدا التحقيق بأن الفيلا كبيرة، ولا يمكن أن يُسمع صوت الشبل داخلها لمساحتها الواسعة.

وافق فى النهاية على إتمام الصفقة بعد إغرائه بمبلغ مالى أكبر من سعر السوق الذى يتراوح الشبل فيه ما بين «25: 35 ألفاً» للأسد الأفريقى.

غمد يده فى جيبه، وأخرج هاتفه ليعرض فيديو لشبل صغير لا يتعدى عمره الثلاثة شهور، يتحرك داخل الفيديو على سرير ادعى البائع أنه فى منزله، وقال إنهم على استعداد لبيعه على الفور، وإن الثمن لن يقل عن 45 ألف جنيه، خاصة أن فى تلك الظروف لن تجد من يجرؤ على إتمام صفقة كتلك.

عدم تسجيل المواليد

وعن كيف له أن يبيع ذلك الشبل، خاصة أنهم لديهم مركز إكثار مرخص وكل الأسود التى يربيها مرقمة بالبصمة الرقمية الخاصة بمنظمة «السايتس»؟ فرد عوض قائلاً: «إن غالبية العاملين فى بيع الأسود غير المرخصة فى السوق السوداء لديهم أوراق رسمية لمراكز إكثار، ولكن اللبوءة تلد فى العام مرتين، وفى كل مرة تلد ما بين 7:2 أشبال، لا يقوم صاحب المركز بتسجيل الولادة لدى وزارة الزراعة لتأخذ الأشبال أرقامها الرسمية، وإذا اطلعت عليها الجهات الرقابية أثناء مرورها على المزارع لو مرت، يدعى صاحب المزرعة أن الأشبال توفيت بسبب مرض ما، ليستطيع أن يبيعها بعيداً عن الترقيم والأوراق الرسمية فى السوق السوداء»، هذا بخلاف المزارع التى لا تحمل تراخيص من الأساس «ودى كتير قوى ومنتشرة وبالذات فى المناطق الصحراوية».

«ما حدش بيسجل الولادة.. لو سجل يسجل اتنين وهى جابت أربعة»، يقول «عوض» عارضاً على معد التحقيق فكرة إقناع رجل الأعمال المتحدثين باسمه بأن يستخرج رخصة مركز إكثار، ويساعده فى تلك التجارة التى تدر ربحاً كبيراً على العاملين فيها: «هيكسب منها أكتر ما بيكسب من شغل التجارة بتاعته، ولكن إذا كان لا يهوى ذلك، وأن الأمر بالنسبة له مجرد حديقة أسود للتباهى بها أمام زواره، فالأمر سهل، ومن الممكن أن أشرف بنفسى على تشكيل تلك الحديقة وبناء الأقفاص الحديدية.. أنا ممكن آجى بنفسى للفيلا وأظبط معاه الإنشاءات عشان ما تتعملش غلط، ولو على الأشبال لو عايزينها تحضر دلوقتى هاجيبهالك».

وعن كيفية الحصول على أسد أبيض، وليس الأسد الأفريقى، قال «عوض» إنها مسألة صعبة، لأن مركزاً واحداً فقط هو الذى يعمل على تربية ذلك النوع من الأسود البيضاء، ولذلك يصل سعره إلى 175 ألف جنيه للشبل الواحد، أما النمور فهى أيضاً نادرة الوجود بمراكز الإكثار بمصر، لذلك يصل سعر صغيرها إلى 150 ألفاً للنمر الواحد، أو 200 ألف إذا كان من النمور العربية المعروف بأن الموجود منها عدد محدود على مستوى العالم، بخلاف النمر الأبيض الذى يعد الأغلى حيث يصل سعره إلى 250 ألف جنيه وهو الأغلى: «بس برضه نقدر نجيبها بس الموضوع صعب شوية عشان بتيجى تهريب».

ليست مراكز الإكثار وحدها مصدراً لتوريد تلك الأسود والنمور للسوق السوداء، حسب «عوض»، ولكن أيضاً التهريب يعد سبيلاً آخر لمرور الحيوانات المفترسة إلى مصر، خاصة الأنواع النادرة منها، بعضها يأتى إلى مصر عبر الحدود السودانية عبر طرق التهريب المعروفة، التى تستخدم فى تهريب البشر والمخدرات والسلاح، والبعض الآخر يسلك طريق الحدود الليبية، حيث تسمح ليبيا باستيراد تلك الأنواع من الحيوانات المفترسة دون «روتين» أو أوراق رسمية، وتأتى بشكل شرعى عبر مطار طرابلس «رئيس المطار هناك صاحبى وكنت بروح بنفسى أستلم النمور والأسود البيضاء من هناك»، ثم تأتى عبر طرق التهريب بين مصر وليبيا للسلوم وسيوة، عبر المهربين من البدو هناك.

ويقول «عوض»: «حديقة رجل الأعمال جمال عمر بشرم الشيخ، أحد أهم المقربين لمبارك، نحن من جمعنا له حيواناتها المفترسة بالكامل، جاءت عن طريق السلوم، مهربة من ليبيا، ولكن بعد هروبه إلى أمريكا، نقلت تلك الحيوانات لحديقة الحيوان». «أنا جاهز فى أى وقت»، قالها عوض فى نهاية اللقاء، مشيراً إلى أن التسليم سيكون فى منطقة آمنة، بعيدة عن الأعين وعلى سبيل المثال على الطريق الصحراوى ليلاً، مع ضرورة إحضار عربة مؤمنة، تصلح لأن لا يظهر منها صوت الأسد خلال المرور على الكمائن، ولتكن عربة نصف نقل بصندوق مغلق، على اتفاق للتواصل بعد يومين لإتمام الصفقة.

حلايب بوابة دخول الحيوانات البرية

فى ديسمبر 2014، جنوباً فى جبال البحر الأحمر غرب مدينة حلايب الحدودية مع السودان، وأثناء عمل أبناء قبائل البشارية بالرعى، فوجئوا بهجوم نمر شرس نادر عليهم، انقض على أغنامهم، وافترس منها ما استطاع وهرب، يقول محمود حسين، يعمل ناظر مدرسة، أحد أبناء قبيلة العبابدة، حاول الأهالى التخلص منه بحصاره فى الوديان والجبال وإشعال المواقد حتى تمكنوا من قتله، ويقول إنهم لم يشاهدوا نمراً فى المنطقة من قبل وإنها المرة الأولى.

لم يهدأ الأهالى فى حلايب، حسب «حسين»، حتى تمكنوا من قتله والإجهاز عليه تماماً، وفى نفس العام رصد عدد من العاملين بمهنة الرعى بمنطقة «فوركيت» بمدينة حلايب، آثار نمر جبلى أثناء عملية الرعى بالمنطقة، قالت البيئة فى بيان لها إن النمر المقتول فى حلايب هو نمر برى نادر للغاية، وهو موضوع على القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض، ويعد هذا الجثمان أول عينة كاملة يتم رصدها فى مصر.

«محمود فاروق» اسم مستعار لأحد أبناء القبائل بمنطقة جبل علبة وحلايب لسنوات، تحدث شريطة إخفاء هويته، قال لـ«الوطن»، إن النمر الذى هاجم قطعان المنطقة ما هو إلا نمر كان فى طريقه للدخول مهرباً عبر الحدود، ولكنه تمكن من الهرب من عربات المهربين، التى تحقنه بمخدر حتى يستطيعوا نقله تلك المسافة من السودان إلى مصر، وأكد أن مسارات التهريب فى الصحراء التى يستخدمها مهربو الحيوانات هى نفس مسارات تهريب السلاح والسوريين والأفارقة إلى مصر، ولكن باستخدام عربات أكبر وأكثر أماناً للحفاظ على تلك الحيوانات النادرة، وأن تكلفة النقل تزيد تكلفتها للمهربين، خاصة من الجانب المصرى عن تهريب أى شىء آخر سواء أرز أو غيره.

سوق الجمعة.. «على عينك يا تاجر»

فى الجهة المقابلة من جامع السيدة عائشة، تقع سوق الجمعة، التى يشتد الزحام فيها أسبوعياً منذ ساعات الصباح الأولى، على جانبى الطريق الممتد أقفاص كثيرة تحوى عدداً كبيراً من الحيوانات والزواحف والطيور، معظم الزبائن من المراهقين، يقفون أمام تلك الأقفاص منبهرين، يتفاوضون على الأسعار.

تمكنت «الوطن» من خلال جولتها فى سوق الجمعة، من رصد بيع حيوانات غير أليفة، مثل الصقور والنسور، وكذلك عدد كبير من الزواحف، سواء كانت ثعابين محلية أو مستوردة، وتماسيح صغيرة الحجم، وخفافيش.

يقول محمود إبراهيم «اسم مستعار»، أحد البائعين فى سوق الجمعة، إن السوق تضم كافة أنواع الحيوانات، وبعض التجار لديهم ثعالب وحيوانات مفترسة، وأفاعٍ سامة، وتلك التجارة تتم فى الخفاء، حيث تشن وزارة البيئة حملات على السوق من وقت لآخر، ويقومون بمصادرة بعض الحيوانات لكونها غير مصرح بها، ومصادرة حيوانات أخرى لكونها توشك على الانقراض مثل أنواع معينة من السلاحف والأشبال والنمور وغيرها، ويضيف قائلاً إن معظم تلك الحيوانات يتم تهريبها من منطقة أبورواش، وتعتبر تربية الحيوانات المفترسة هواية تجذب الأثرياء، لكونها مكلفة، ولكن فى الآونة الأخيرة بدأت تظهر أزمة جديدة. ويقول إن تربية حيوانات مفترسة فى البيوت أصبحت هواية تجذب الشباب من أعمار صغيرة، وبدأوا يتوافدون بالفعل على السوق، لا يعرفون نوعها أو مدى خطورتها، أو كيفية تربيتها، ولكنهم يحتفظون بها كنوع من الوجاهة الاجتماعية بين أقرانهم، ويضيف قائلاً: إن المراهقين أصبحوا يبحثون عن كل ما هو جديد، ولذلك توجهوا أيضاً لشراء التماسيح، مضيفاً، «التماسيح بالذات تربيتها صعبة مش سهلة، لأنها غدارة ممكن تعض فى لمح البصر وسنانها حامية جداً، والصقور والنسور متوفرة فى السوق».

«بمجرد وصول إخبارية إن فيه حملة من البيئة داخلة السوق، كله بيخبى ويهرب بالحيوانات اللى معاه، وفيه ناس بتشتغل فى الحملات دى، بتبيع الحيوانات بعد مصادرتها أو بتحتفظ بيها لنفسها»، يقولها البائع.

وفى الجهة المقابلة يقف شباب صغار يقومون بإخراج الثعابين من الأقفاص الزجاجية يلهون بها، ويلتقطون الصور وهم يحملونها ثم يقومون بشرائها بأسعار زهيدة، ويخرجون من السوق وهم يحملونها فى أكياس سوداء.

الجهات الرقابية ترد

اللواء حامد العقيلى، مدير الإدارة العامة لشرطة البيئة والمسطحات المائية السابق، يقول: «عملنا قائم على تتبع عمليات بيع واتجار الحيوانات النادرة أو أجزاء منها، التى تنص عليها اتفاقية السايتس الموقع عليها من جانب البرلمان المصرى، ومنها الأسود والنمور والحيوانات المفترسة، والتى تصنف جدول «أ» ولكن للأسف هناك صعوبات فى دخول تلك الفيلات والمزارع الخاصة، لأنها تعتبر ملكية خاصة ولا يمكن دخولها دون وجود قرار من النيابة العامة مع التأكد تماماً من وجود حيوانات بالداخل». كما حمّل «العقيلى» وزارة الزراعة وإدارة الحياة البرية داخلها مسئولية الإشراف على مراكز الإكثار ومزارع تلك الحيوانات، وأنهم ليس لهم سلطة عليها، خاصة أنها تحمل تراخيص أما عن مطابقتها للمواصفات فهى أمور فنية متروكة لتلك الجهات المختصة بوزارة الزارعة.

«العقيلى»، وفريق عمله داخل الإدارة كان يعمل باستمرار على ملاحقة مربى الأسود والنمور فى الكافيهات على الصحراوى وغيرها، خاصة من لا يحمل منها ترخيصاً، ولكن عمليات التهريب والاتجار لم تصادفه خلال فترة عمله، مشيراً إلى أن قضية التهريب كانوا يتصدون لها بالطبع بالتعاون مع الجهات الأمنية على الحدود، قائلاً: «كنا نعتمد على الإخباريات فى المقام الأول لمداهمة المهربين». اللواء محمد رجائى، مسئول قطاع الحياة البرية بوزارة الزراعة، يقول: «مراكز الإكثار المرخصة متبعة فى العالم كله، وهناك ستة مراكز إكثار بها مفترسات، ونتابع الولادات بتاعتها بشكل مستمر من قبل العاملين بالقطاع، ونسجلها فى السجلات»، ودافع عن مراكز الإكثار بأنه ليس هناك مركز مرخص يستطيع التهرب من تسجيل المواليد. وأضاف: «مزرعة العياط ليست حديثة، ولكن عمرها 25 عاماً، والزحف العمرانى دخل عليها، وهذا ليس ذنبه، ونحن نمر عليه باستمرار وكان موافقاً للمواصفات القياسية، وبالنسبة للسوق السوداء مسئولة عنها شرطة المسطحات، وليس لنا سلطة الضبط».

جثتان تتجاوران كل منهما مسجاة فى دمها، بشرى يعيش فى أمان أتاه الخطر غفلة، وحيوان نُقل من البرية لقفص حديدى دون رعاية، كان يعيش فى مزارع غير مؤهلة تضع كليهما فى خطر دائم، فى ظل رقابة ضعيفة على سوق سوداء يتحكم فيها رجال الأعمال والأثرياء بما لديهم من أموال طائلة وبلطجية يستخدمون تلك الحيوانات فى إرهاب البشر، وتستمر التجارة دون رقيب.


تعليقات