مصريون بلا أوراق ثبوتية.. غربة داخل حدود الوطن «2-2»
يُولدون دون وثيقة، ويموتون دون شهادة، عدد لم يزُر دفاتر الدولة يوماً، لم يُعَدُّوا بين الأحياء ولم يُحسبوا رقماً وسط الأموات، يعيشون خارج حدود الحياة، رغم أنهم بين حدود وطن اختاروه ولم يعبأ بهم.
هناك بالقرب من شاطئ البحر الأحمر، فى أقصى جنوب مصر، يعيشون فى أكواخ خشبية متهالكة، ليس لديهم أى حقوق، ولا يملكون من أمرهم شيئاً، «البدون» فى مثلث حلايب وشلاتين، يعيشون غرباء داخل حدود الوطن.
فى مطلع التسعينات أعاد الجيش المصرى مثلث حلايب إلى الإدارة المصرية بعدما ظلت منذ عام 1902 تتبع الإدارة السودانية، وكل مَن فيها يحمل أوراقاً ثبوتية سودانية، وبدأ الجيش المصرى فى عملية عرفت بـ«تمصير» المنطقة، التى تشمل إعطاء أوراق ثبوتية مصرية وتعليم أبناء جبال البحر الأحمر اللغة العربية، لغة الدولة فى ظل استخدامهم لـ«الرطانة»، أى اللغة المحلية غير المفهومة، ولكن سقط خلال عملية الحصر عدد كبير من أبناء قبائل العبابدة والبشارية سواء سهواً أو عن عمداً، بخلاف قبائل كالرشايدة والأتمن والهدنداوة تعيش دون أى ورقة ثبوتية، وآخرون يحملون بطاقات ورقية بالية لا تفيدهم ولا تنفعهم.
هم اختاروا مصريتهم، بإرادة كاملة، ولكن اليوم مصر تلفظهم من سجلاتها، إذ زحف بعض أبناء القبائل من أهل المنطقة نحو الجنوب مع مجىء الجيش المصرى، للعيش تحت الإدارة السودانية، فيما اختاروا هم أن يكملوا حياتهم على تلك الأرض، كما اختاروا أيضاً «المصرية» جنسية لهم، ولكن فوجئوا بأنهم سقطوا من حسابات الدولة، سقطوا من سجلاتها، لم يدرجوا ضمن أوراق الثبوتية، فعاشوا من دونها، عاشوا بلا أوراق ثبوتية أو جنسية، كأن الشاعر محمود درويش تحدث بلسانهم حين قال: «هذه الأرض لى.. وكنت قديماً.. أحلب النوق راضياً ومولَّه.. وطنى ليس حزمة من حكايا.. ليس ذكرى وحقل أهلّة».
رحلة الوصول للجنسية
حينما بدأت شمس الغروب الذهبية تتسلل خلف الأكواخ الخشبية فى قرية «العالى»، مع اقتراب المغيب، وقف محمد عثمان صالح إلى جوار الكشك الذى بناه بـ«الخشب الحُبيبى» ليسكن فيه مع عائلته قبل 5 سنوات، بعدما هجر عيشة الجبل والسعى وراء المطر.
ويهم «صالح» مسرعاً من أجل إدخال الأغنام للحظيرة، وينتظر عودة نجله «خليل» من الكُتّاب الذى يحفظ فيه القرآن، قائلاً لـ«الوطن» إن «حلمه هو أن يرى نجله عائداً مرتدياً الزى المدرسى، والذى يمنعه عن الوصول له عدم امتلاكه بطاقة الرقم القومى، ولكن هذه اللحظة التى طال انتظارها باتت قاب قوسين أو أدنى، منذ تقديم أوراقه كاملة قبل 6 أشهر لإدارة شئون القبائل، ونحن نجلس فى انتظار فرج الكريم».
ويضيف: «إجراءات الوصول إلى تلك الأوراق «حبالها طويلة»، وبها الكثير من التعقيدات والمتطلبات التى لا تتوافر لجميع سكان المثلث الحدودى، عبر طريق طويل من انتظار موافقة «شئون القبائل» على أوراقهم، وحتى هذه اللحظة سيظل هؤلاء «البدون المصريون» بلا أوراق رسمية.
ويضيف «صالح» لـ«الوطن»، أنه لا يوجد فرد فى عائلته يمتلك أى أوراق ثبوتية وهو ما صعب عليه الإجراءات، والتى تبدأ بضرورة وجود أحد أفراد أقارب «العصب» يمتلك أوراقاً وبطاقة رقم قومى.
«عثمان حسين»، ابن قبيلة العبابدة، جلس يتفحص أوراقاً عدة نثرها أمامه على الطاولة، يقلب فيها بغضب، ويمسك بطرف إحدى الأوراق، ويقول ممتعضاً إن «الطريق لحصول كل منهم على حقه فى بطاقة تثبت وجوده، تثبت أنه إنسان يعيش على تلك الأرض، وله ما لبقية أقرانه طريق طويل للغاية، ومن يقفون فى انتظار الحصول على بطاقة أو شهادة ميلاد كثر فى تلك البقعة من أرض مصر».
بعد 6 أعوام من المحاولات.. «حسين» يستعين بأقاربه من «البشارية» فى أسوان لاستخراج شهادة ميلاد
رحل «حسين» تاركاً بلدته «إبرق» فى جبال البحر الأحمر، التى تقع على بعد 120 كيلو غرباً من مدينة الشلاتين، بعدما عم الجفاف البادية ولم يجد الرجل فى مهنة الرعى وتربية الأغنام ما يكفى لتربية أبنائه، وهو يقول: «أنا محظوظ إنى جيت المدينة ولكن أشقائى وأبناء عمومتى يعيشون فى الجبال بدون أى حقوق لأنهم باختصار لا يملكون أوراقاً تثبت وجودهم من الأساس».
ويشير إلى أن الطريق والإجراءات التى تضعها الحكومة لأبناء قبائل العبابدة والبشارية للوصول إلى الأوراق الثبوتية طويلة و«متعنتة»، وحتى بعد الوصول لها يكون الأمر متروكاً لتقدير الجهات الرسمية، ولذلك ينتظرون بالأشهر وبالسنوات للحصول على «البطاقة».
سلك «حسين» ذلك الطريق كثيراً خلال مساعدته لأشقائه وأبنائهم وأبناء عمومته، ودخل فى مفاوضات طويلة مع ضباط شئون القبائل لإنهاء الإجراءات التى تستمر بالشهور، وكان آخرها لابنة شقيقه اليتيمة «آمنة».
ويوضح «حسين» أن الطريق يبدأ من شهادة الميلاد، مؤكداً أن الكثير منهم لا يمتلكها، وبذلك يكون الطريق مقطوعاً من البداية. أما إن كانت لديك شهادة ميلاد بذلك تكون وضعت قدمك على أول الطريق، ومن شهادة الميلاد إلى البحث عما يسمى «عصب» أى قريب من الدرجة الأولى لديه بطاقة رقم قومى «أبوك، أخوك، أو جدك».
ولا يقف الأمر عند الحصول على «عصب»، والذى يعد أزمة كبيرة للبعض، حيث لا يمتلك الكثير أوراقاً ثبوتية، فبذلك يحرم أشقاؤهم وأولادهم وكل نسلهم من الحصول على أوراق فى المستقبل.
25 ألف نسمة يعانون من أزمة أوراق الجنسية فى حلايب حسب تصريح نائب البرلمان عن الدائرة
ويتابع: بعد الوصول إلى «قريب عصب» على المتقدم أن يحصل على إمضاء من عشرة مشايخ من مشايخ القبائل: «اللى يوافق يمضى لك واللى يخاف من المشاكل ومن ضغط شئون القبائل يرفض»، وهكذا يستمر الراغب فى الوصول للبطاقة «كعب دائر» على مشايخ القبائل فى الجبال والقرى البعيدة حتى الوصول إليها بعد جهد جهيد.
والكثير من أوراق أقارب «حسين» يحتفظ بها الرجل، ومنهم من لا يملك شهادة ميلاد، وآخرون لم يشملهم الحصر، ورفض شيخ القبيلة كتابة ما يسمونه بـ«إقرار نسيان» أى أنه نساه خلال عملية الحصر التى تمت فى التسعينات، والكثير من لديهم شهادة وحتى الآن فى انتظار «الفرج» وموافقة شئون الضباط على الإصدار.
ولذلك أصبح السفر للمحافظات بعيداً عن الشلاتين مهنة الباحثين عن أوراق ثبوت من «البدون»، فبعد 6 سنوات ظل يبحث فيها «حسين حسن» عن بطاقة حتى وصل الأمر به للسفر إلى أسوان، وبشهادة اثنين من أقاربه من قبيلة البشارية المقيمين فى أسوان استطاع أخيراً استخراج شهادة ميلاد وأوراق ثبوتية وأوراق رقم قومى.
ولكن هذا العمل أوقع «حسن»، الذى يعمل فى الحجر البيطرى بمدينة الشلاتين، فى مأزق آخر حيث لا يتمتع هو وأسرته بأى امتيازات منحها الجيش للمقيمين فى الشلاتين وحلايب، وأصبحت تلك الأوراق الثبوتية مجرد «حبر على ورق»، كما يقول، وهو ما كاد أن يزج بولده للتجنيد بالقوات المسلحة، رغم أن أبناء المدينة الحدودية لديهم إعفاء من التجنيد.
«النطة» مدقات التهريب.. السبيل الوحيد لزيارة السودان
«النطة» هو المصطلح الأكثر شيوعاً عن طرق التهريب فى مثلث حلايب وشلاتين، وهو وصف للمدق الرملى الذى يتخذ منه المهربون طريقاً للهروب من كمائن «حرس الحدود» المنتشرة على طول الطريق ما بين شلاتين وحتى الحدود السودانية، وهى بدورها أصبحت السبيل الوحيد لــ«البدون» من أبناء قبائل البشارية والأتمن والرشايدة لزيارة أبناء عمومتهم من القبائل فى السودان.
«ليه يجبرونا على التهريب.. البوابة مفتوحة قدامنا لكن بدون أوراق ثبوت ماينفعش أعدى منها» يقولها «ن. م» مصرى المولد والمعيشة، ولكنه لا يملك أى ورقة يستطيع أن يخرج بها من بوابة «حدربة» تجاه السودان لزيارة أهله وعشيرته، وهو يكمل كلامه قائلاً: «الفرق بينى وبين أى مصرى إنى اخترت أكون مصرى ومع ذلك لا أملك ورقة تثبت ذلك».
الرجل العجوز، ستينى العمر، رفض العودة للسودان مع دخول الأجهزة المصرية لمدينة حلايب وشلاتين فى التسعينات، مثلما فعل أولاده الذين كانوا يعملون فى إحدى شركات شحن المنتجات بين مصر والسودان، وظل موجوداً بالمنطقة ولكن لم يشمله الحصر من شيوخ القبائل، فظل هنا يعيش بدون سند ولا يستطيع الوصول إلى أولاده إلا من خلال طرق التهريب.
وعلى طول الطريق من شلاتين وحتى مدينة أبورماد، وهى مسافة تقدر بما يربو على الـ125 كيلومتراً، تظهر العلامات التى يضعها المهربون لمدقات «النطة» بوضوح، وهى صخور موضوعة بطريقة ظاهرة، ومن خلفها تظهر آثار عربات الدفع الرباعى التى شكلت من الطريق المناسب للمرور طريقاً يسهل على سيارة العبور فيه، يختفى رويداً رويداً، حتى يختفى فى زخم الجبال المتراصة.
يكره «ن»، الذى تحتفظ «الوطن» باسمه بناء على طلبه، الحدود الفاصلة بين مصر والسودان: «كتير من أهلنا غصب عنهم بيستخدموا طرق التهريب»، ويستطرد أن الأسر من أبناء قبائل البشارية والهندنوة منتشرون على ساحل البحر الأحمر: «هنا أنا أعيش وهناك يعيش عمى وخالى وأشقائى.. الأسر على الحدود متلخبطة»، وهو لا يجد أى ذنب اقترفه فى أنه قرر أن يعيش فى المنطقة التى تقع داخل الحدود المصرية: «إحنا ناس مسالمين، إحنا غير بوابة قطاع غزة اللى بتجيب منها القنابل والبلاوى واحنا بنستخدم طرق التهريب عشان نقدر نشوف أهلنا وناسنا».ولا يجد العجوز أى غضاضة فى التعامل مع المهربين: «طبعاً بيهربوا حاجات تانية غيرنا.. جمال، رز، مانجو، وكمان أحباش وسوريين»، ويقول إن ثمن الرحلة عبر مدقات التهريب لأهل حلايب وشلاتين 400 جنيه: «وطبعاً ده سعر خاص لينا عشان هما من أولادنا وأهلنا»، وحين تصل السودان عليك دفع 300 جنيه أخرى للأدلاء السودانيين، وإلا يسلموك للجيش السودانى ويعتبرونك متسللاً أو تبع المخابرات أو أى تهمة أخرى يزج بك بها إلى السجن.
محرر «الوطن» يتفق مع أحد المهربين على خوض المغامرة.. فطلب 300 جنيه قائلاً إنه «ثمن قليل»
لا تنجح الرحلة دائماً، حسب رواية الرجل: «وفيه ناس بيتمسكوا ويتسجنوا.. يبقوا رايحين يعزوا يمسكوهم ويسجنوهم.. لازم يروحوا يعملوا الواجب واحد ابنه بيموت ولا أخوه.. دول أسر مع بعض».
«الوطن» التقت أحد المهربين بغرض الاتفاق معه على الرحلة إلى السودان، فشدد على أن يكون الموعد مبكراً، وطلب 300 جنيه لخوض المغامرة، وقال إنه «ثمن قليل»، خاصة أنه بمجرد القبض عليه ستصادر سيارة الدفع الرباعى، وستكون هناك غرامة كبيرة: «هتضيع العربية وهنتحبس يومين حلوين.. و400 جنيه ده لأبناء القبائل هنا عشان إحنا عارفين ظروفهم».
ودائماً ما تظهر العلامات قبل أول نقطة حدودية بخمسة إلى عشرة كيلومترات، ويستمر مسير المهربين فى الصحراء، داخل الصحراء حتى يبعد عن الكمين الأمنى أو النقطة الحدودية. ويروى المهرب، لـ«الوطن»، أن عملية الوصول إلى المنطقة الحدودية بين مصر والسودان تستغرق ثلاث ساعات ونصف الساعة، حتى الوصول إلى تبة كبرى هى الحد الفاصل بين الأراضى المصرية والسودانية، حيث يتسلم الأدلاء من تلك النقطة المتسللين إلى داخل الأراضى السودانية. ويقول المهرب، الذى طلب من «الوطن» عدم ذكر اسمه، إن الكثير من أبناء المثلث «البدون» ممن ليست لديهم أوراق ثبوتية يستخدمون «النطة» فى الوصول للسودان، ولكن هناك عدد قليل منهم من يلجأ للمهربين، فهم من الرعاة يعرفون دروب الصحراء جيداً ويعرفون الطريق والممرات إلى الحدود بعيداً عن أعين النقاط الحدودية سواء المصرية أو السودانية، ومنهم من يستخدم الجمال فى بعض الأحيان وبعضهم يستخدم الدراجات البخارية.
باللوح والمحبرة.. «الكتاتيب» الفرصة الأخيرة لتعليم أبناء «البدون»
يتراصّ الأطفال على الحصر الخضراء وبين أناملهم الصغيرة ألواح خشبية قديمة، أكل الدهر عليها وشرب، يغمسون بعض الأقلام الخشبية فى المحبرة، ويشرعون فى كتابة آيات الذكر الحكيم، ولا يتوقف لسانهم عن الترتيل: «اقرأ باسم ربك الذى خلق، خلق الإنسان من علق»، تتناغم أصواتهم فى توافق رائع، حيث يتابعهم عن كثب شيخهم العجوز «حسن هبن»، والمعروف بحسن الشريف، هنا خلوة تحفيظ القرآن بقرية العالى، أحد أكثر الأماكن التى تضج بالبدون، ويعد هو وبضعة كتاتيب تعد على أصابع اليد الواحدة الفرصة الوحيدة لتعليم أبناء البدون فى مثلث حلايب وشلاتين.
«هبن» جاء من السودان إلى شلاتين منذ 19 عاماً لتعليم أبناء قبائل البشارية والأتمن والهدندوة اللغة العربية والقرآن الكريم
بجلبابه الأبيض والصديرى الأسود، زِى أبناء قبائل البشارى، يجلس على مقعده الخشبى، ويمسك بيمينه عصاه، يعدل من وضع عويناته الطبية ويقلب نظره بين الأطفال المتراصين أمامه من بعد صلاة الظهر، يشير إليهم واحداً تلو الآخر، ليأتى بين يديه، يشبك يديه ويسمى الله ويتلو عليه ما حفظه من الآيات بهدوء.
يعيش «هبن» فى شلاتين منذ 19 عاماً، جاء من السودان لتعليم أبناء قبائل البشارية والأتمن والهندنوة اللغة العربية والقرآن الكريم، يقول «هبن» بلهجة بدوية لا تخلو من بعض كلمات الرطانة، إنه يعلم أكثر من 120 طفلاً من أبناء عزبة «العالى» القرآن، منهم 20-30 لم يلتحقوا بالمدرسة لأنهم ليست لديهم أوراق ثبوتية، وإن فرصتهم الوحيدة فى التعلم تكون هنا فى الكتّاب، ولذلك هو يخصهم ببعض من الاهتمام عن غيرهم، ويضطر فى بعض الأحيان إلى أن يقسو عليهم لأنه يعرف أن فرصتهم الوحيدة فى التعلم تكون من خلال كتّابه الأثير.
يتوافد على «هبن» الأطفال يومياً من بعد صلاة الظهر طيلة أيام الأسبوع، فيما عدا الخميس والجمعة، داخل تلك الغرفة المبنية من الطوب الحجرى، ومحاطة بأسوار كبيرة من كل اتجاه، ما زالت تحتفظ بتقاليد الكتاتيب القديمة، تلك المحبرة والألواح الخشبية، وفى خارج الغرفة تظهر بركة من الماء يلتف حولها الأطفال، لينظفوا تلك الألواح بعد انتهاء ساعات الحفظ، ويقول «هبن» إن الأهالى فى تلك المنطقة يقدسون تلك المياه التى تغسل به الألواح ويتباركون بها.
يقف «هبن» فى وسط الكتّاب، ينادى بصوت جهورىّ: «من منكم ليس له شهادة ميلاد.. عليه بالوقوف»، يستجيب البعض ولكنه يكررها بالرطانة مرة أخرى، فيستجيب البعض الآخر، ليأتى له عدد لا بأس به من الجالسين، يوقفهم بجانب الحائط، ويقول إنهم يلتحقون بالخلوة كما يحلو له أن يسمى الكتّاب من أربع سنوات وحتى 12 سنة: «ييجوا صغار ويكبروا معايا».
الشيخ سعد محمود، مدرس بالمعهد الأزهرى بالشلاتين، جاء من محافظة أسوان قبل عشر سنوات للعمل بالمعهد، وجد فى إقبال أهالى المدينة على الكتاتيب فرصة لتعليم القرآن، وهو ما دفعه بالمشاركة فى العمل بأحد الكتاتيب المنتشرة بالمدينة والتى يعدها بخمسة كتاتيب، أغلبها ما زال يعمل باللوحات الخشبية والمحبرة، بالطرق القديمة ولكن هو وزملاؤه من أسسوا أحد الكتاتيب الحديثة التى تقوم على الكراسات الورقية والسبورة.
قبائل «البشارية والعبابدة»
على هضبة عالية تقع عزبة «الصول»، على بعد 5 كم من مدينة الشلاتين، وبجانب أحد قطعان الإبل وقف عبدالله أحمد، بشاربه الكث، وبشرته السمراء، يفرغ القش للجمال، يداعبها بين الحين والآخر، ويجمع الصغار ليسقيها معاً.
هذا الرجل المصرى الأصيل ظل منذ 6 سنوات يحاول استخراج بطاقة أو الحصول على شهادة ميلاد، دون جدوى بعدما سقط والده من حصر أبناء القبائل، نظراً لوجوده فى الجبل حيث كان يعمل على الرعى، يسعى وراء المطر والمياه.
ويقول «عبدالله» لـ«الوطن»: «والدى اتولد من غير بطاقة ومات من غير شهادة وفاة، زى ما راح زى ما جه من غير ما تعرف عنه الحكومة حاجة، احنا ناس الجبل لا كنا محتاجين الحكومة ولا كانت تعرف عنا شىء».
أما «أحمد» ابن قبيلة البشارية، فهو يعمل فى تجارة الأغنام والإبل، ولد بالقرب من ضريح «الشيخ الشاذلى» فى صحراء «عيذاب» بالقرب من مدينة القصير التى تبعد أكثر من 400 كيلو عن الشلاتين، وهو يقول إن والدته لم تذهب لمستشفى ولكنه ولد فوق الجبل بالطرق التقليدية للبدو، ولم يكن له أشقاء، ظل «أحمد» يلهث مع قبيلته وراء المطر حتى وصل للجبال المتاخمة للشلاتين، وحينما أصاب والده المرض قرر النزول للعيش فى كنف المستشفى بالمدينة، ولكن كان يواجه صعوبات كبيرة فى علاج والده حتى توفى، بسبب عدم امتلاك أى أوراق ثبوتية: «ماكنش معاه شهادة ولا بطاقة ولا أى حاجة تديله الحق فى العلاج»، ويخشى «أحمد» من نفس مصير الأب، وهو يخاف أن يصيبه العجز ولا يجد علاجاً، ولذلك لم يتوقف عن محاولاته المستمرة للوصول إلى أوراقه الثبوتية، رغم الصعوبات التى تواجهه فى الإجراءات، وينزعج حين يتذكر أن خطأ شيخ قبيلته الذى تسبب فى إسقاط والده خلال الحصر هو ما أوصله إلى هذه المرحلة، ولكنه فى نفس الوقت لا يستطيع إلا أن يكن له كل احترام: «شيخ القبيلة ولا حد يقدر يتجرأ عليه، وجل من لا يسهو».
الوصول إلى سكان الجبل ليس أمراً سهلاً، بل عبر طريق ضيق، منحدر، ملىء بالمنحنيات، وبين الحين والآخر تظهر انكسارات فى الطريق بفعل السيول، 80 كيلومتراً غرب مدينة الشلاتين، أخذت السيارة تطويها ببطء، فلا يستوى الطريق، وفى نهايته يظهر آخر ضيق، تحيط به الجبال من جميع الجهات، وفى الوسط كوخ تنتشر حوله الماعز والإبل، وبداخله يجلس الشيخ على عيسى شيخ قرية «الجاهلية»، التى يسكن أهلها فوق تبة عالية تعلو الوادى الذى يعيش فيه الشيخ، ويعيش الشيخ على عيسى، أحد مشايخ قبائل «العبابدة»، مع أبناء قبيلته فى قرية بها الكثير من الخدمات، ولكن كل أبناء القبيلة لا يتمتعون بها بسبب غياب الأوراق الثبوتية، ويعترف الشيخ بشكل صريح: «لقد سقط منا الكثير سهواً خلال الحصر الأولى للقبائل حينما وصل الجيش المصرى للمنطقة».
و«الجاهلية» إحدى قرى المثلث، التى تنزوى بين جبال البحر الأحمر، يعيش أهلها متناثرين بين الجبال، ويعملون فى مهنة الرعى، التى لا يعرفون غيرها مهنة الأجداد والآباء، يتزوجون بتقاليدهم المعروفة دون أوراق رسمية، والكثير منهم لم يعرف لتلك الأوراق أهمية إلا مع النزوح من الجبل إلى القرية،التى تظهر فوق تبة مرتفعة، بعدما قضى التصحر على الأخضر واليابس، يفرد «الشيخ على» حصيراً أمام الكشك الخشبى، هنا يستقر ويلتف حوله أهل القرية، وهو يقول «فى عام 1994 جاء الجيش المصرى وطلب من المشايخ حصراً بأعداد وأسماء القبائل، لتقديم معونات وتبرعات حيث كانت تمر البلد بحالة من الفقر المدقع، ولكن فوجئنا أن ذلك الحصر هو ما اعتمدت عليه السلطات المصرية فى استخراج أوراق ثبوتية لأهل المنطقة فيما بعد، ونتمنى لو تسهل الدولة الإجراءات لتسجيل أبناء قبيلته من ساقطى القيد فى سجلاتها الحكومية».
وفى «عزبة العالى»، داخل أحد المقاهى المبنية من القش، يجلس «حمد محمد»، شيخ قبيلة «البلقاب»، أحد بطون قبائل البشارية، يحتسى فنجاناً من «الجبنة»، ويقول إن «كل أبناء البلقاب الذين يقدرون بـ2000 نسمة ليس لديهم أوراق ثبوتية، ومن يحمل منهم بطاقات يعد على أصابع اليد الواحدة، والبقية تعيش دون أدنى حقوق أو خدمات، فى حين أنها إحدى القبائل التى استقبلت الجيش المصرى حين جاء إلى المدينة فى مطلع التسعينات».
وقبيلة «البلقاب» حسب رواية الشيخ، وقف مشايخها «فى ضهر الجيش» ضد مساعى السودان لعودة حلايب إلى إدارتها، بل كانت تساعد الجيش على «تمصير المنطقة»، خاصة أن أكثرهم يسكنون الجبال ويعملون فى الرعى، حيث بنى الجيش وحداته العسكرية بجوار مراعيهم وأراضيهم.
«عبدالله: والدى عاش دون شهادة ميلاد ودفناه بدون شهادة وفاة وأحاول استخراج بطاقة شخصية أو أوراق تثبت هويتى من 6 سنوات دون جدوى
وبجبين مقطب يقول «حمد» ممتعضاً: «احنا نشترى الميه فى الشلاتين لأننا لا نملك أوراقاً ثبوتية نحصل بها على حقوقنا كبقية القبائل التى تأخذ المياه مجانية»، ليست المياه هى كل شىء، ولكن حسب رواية الشيخ: «نحن نفقد كل الحقوق».
ولم يفقد أبناء قبيلة «البلقاب» أوراقهم الثبوتية بسبب نسيان مشايخهم كما حدث مع العبابدة وباقى قبائل البشارية، ولكن حسب رواية «حمد» جاءت أخطاء خلال عملية الحصر من مشايخ البلقاب حينها، حيث يكتب الشيخ أفراد قبيلته حسب اسم الشهرة وليس لقب العائلة وليس اسمه الحقيقى: «يعنى مثلاً اسمه محمد ووالده اسمه حسن، ولكن أطلق عليه محمد كير لانتشار اسم محمد، فكتبه الشيخ محمد كير، وهو ليس اسمه محمد كير، ولكن اسمه محمد حسن، وهو ما صنع أزمة فى السجل المدنى وأسقط أسماء البلقاب من الحصر».
12 مليوناً عدد «البدون» فى كل دول العالم وهم من لا يملكون أى أوراق تثبت جنسيتهم وأكبر نسبة موجودة بالكويت
ويقول «حمد» إن البلقاب هم العدد الأكبر من بطون البشارية، حيث يصل عددهم إلى 200 شخص مقيدين فى الأوراق والسجلات الحكومية فى حين هناك أكثر من 1700 شخص آخر يعيشون دون أى أوراق، بسبب اختلاف الحصر وهم من يعيشون فى الصحراء على الحدود المصرية السودانية.
حسون الحاج، بطاقيته البيضاء وجلبابه البنى، يجلس أمام وكالته فى السوق الدولية فى الشلاتين، لا يجد فى اعتراف شيوخ القبائل بنسيان بعض أبناء الجبال وبعض أبناء القبائل، وأنهم «سقطوا سهواً» سبباً حقيقياً، ولكنه يسوق سبباً آخر، مشيراً إلى أن قبائل البشارية بداخلها بطون، وتلك البطون دائماً فى تصارع على المشيخة، وهى منافسة يعرفها الجميع، ولكن حين جاء الجيش إلى المدينة، استغلوا عملية الحصر لإسقاط أكبر عدد من البطون المنافسة لهم فى المشيخة لتكون لهم الغلبة، وقد كان، لذلك تجد فى البشارية بعض البطون هم السادة لهم التجارة ولهم كل شىء، وآخرين فى الجبال ليس لهم أوراق ثبوتية وليس لهم أى حقوق.
«الحاج» ابن قبيلة العلياب، أحد بطون قبائل البشارية، ويشير إلى أن العلياب والبلقاب من أكثر القبائل التى تحمل أوراقاً ثبوتية فى البشارية، وهم يفقدون كل الحقوق، رغم أنهم الأكثر عدداً بين بطون البشارية، وهو ما دفع عدداً من المشايخ الذين يتسيدون المشيخة الآن لإسقاط أبناء العلياب والبلقاب من الحصر خلال فترة التسعينات، وليس سهواً كما يدعى البعض.
أبناء قبيلة «الأتمن
فى نهاية السوق الدولية بمدينة الشلاتين، ومع بداية ظهور الأكواخ العشبية، فى عزبة «العالى»، يظهر كشك خشبى صغير، يبيع لبن الإبل، وأمامه يجلس شيخ كبير، ذو جسد نحيل تزين رأسه عمة بيضاء كبرى، وفى يمينه عكاز خشبى يتكئ عليه نهوضاً وجلوساً.
«السيد محمد أوشيك»، شيخ قبيلة «الأتمن»، يروى بلهجة بدوية لـ«الوطن»، عن ذكريات أجداده، الذين تركوا أماكن عيشهم، التى تبدأ عند خط 22 درجة والتى أدرجت عندها حدود السودان الحالية، إلى الوصول إلى مثلث حلايب وشلاتين خلال عملهم فى الرعى بالجبال: «أجدادنا جاءوا إلى هنا قبل عقود العقود.. فى زمن لم يكن فيه للحدود بين مصر والسودان وجود».
ويعتمد «أوشيك» بظهره إلى أحد الأعمدة الخشبية، يحضر له أحد أبنائه إناء من لبن الإبل، يحتسيه بكل هدوء، ويقول باسماً إن لقبه «أوشيك» يعنى كلمة «الشيخ» ولكن باللهجة المحلية فى المثلث: «لغة قبائل البجا»، يقولها بكل زهو، فقبيلة الأتمن تنتمى لقبائل «البجا» شأنها شأن قبائل البشارية والهدندوة، جيرانهم فى المسكن والمعاش، ولكنهم لم يدرجوا ضمن قبائل المنطقة فى عهد «مبارك»، لا يعرف الرجل سبباً واضحاً لسقوطهم من حسابات الدولة المصرية، ولا يستطيع أن يصرح بأكثر من أنهم من الفئات الأكثر ظلماً فى المنطقة: «فيه ظلم أكتر من إنك لا تعرف لك وطن ولا جنسية ولا ماهية.. رغم أننا ولدنا فى تلك الأرض ونعيش عليها».
وكل ما يتمناه «أوشيك» المساواة بين قبيلة الأتمن، ذات الأقلية العددية فى الشلاتين، بباقى أشقائهم من القبائل التى تعيش إلى جوارهم، فهو لا يجد أنهم يختلفون عنهم فى شىء: «الزى واحد والرطانة واحدة والتصاهر واحد والأخوية واحدة، كلنا قبائل متشابكة كلنا ننتمى لقبائل البجا». ويستطرد الرجل بصوت رخيم: «لو البشارى مصرى يبقى الأتمناوى مصرى»، بل يجد أنهم من يحملون على عاتقهم العمل بالمقاهى والترزية والمطاعم والأفران وبالكثير من الأعمال التى ترفض القيام بها القبائل الأخرى: «نحن وقود السوق التى تقوم عليها الشلاتين من الأساس»، مؤكداً أن «وجودهم على تلك الأرض يسبق الحكومة المصرية أصلاً».
ويتابع «أوشيك» قائلاً إن طبيعة المناطق الحدودية فى مصر وغيرها من الدولة أن تنتشر قبائل لديها تزاوج وأقارب على حدود الدول المجاورة، خاصة فى الدول العربية التى لم تكن تربطها ببعض أى حدود: «يعنى تلاقى البشارى ليه ابن عمه فى السودان والأتمناوى كذلك ولا يجب أن نعتبر تلك سبة أو تقلل من انتماء أو تشكك فى جنسية المصرى الذى لديه شقيق أو ابن عمه يعيش فى السودان وفى الآخر كانت تلك المنطقة بالكامل تتبع الإدارة السودانية لفترة من الزمان».
ويحاول «أوشيك» مطالبة شئون القبائل المخول لها استخراج أوراق ثبوتية لأبناء المنطقة، ولكن كان دائماً يُرفض الاعتراف بهم: «امشوا انتوا سودانيين»، ويرفضون الاعتراف بهم مصريين، ويقول الرجل بعصبية مفرطة، «لو رافضين يعترفوا بينا مصريين، يعطونا حقوقنا كلاجئين»، ويتساءل: «هل اللاجئون فى مصر لا يتعلمون ولا يحصلون على أبسط وأدنى حقوقهم كإنسان». تلقى «أوشيك» وقبيلته الكثير من الوعود من المرشحين لرئاسة الجمهورية: «لما ننجح ونوصل للرئاسة هنحل مشكلتكم»، ولكن تبددت كل الوعود، ولم يحقق لهم الرئيس السيسى الذى كان ينتظر لقاءه بعد الفوز أى مطلب.
لم يسلك الرجل المسار الذى لجأ إليه بعض أبناء قبيلته، حين تملكهم اليأس من تعليم أبنائهم فى مصر، فبحثوا عن طريق الهروب إلى السودان للتعليم هناك، لم يجدوا أى حل آخر حسب رواية الرجل، ولكنه حتى ذلك الحل يرفضه، وينتظر حقوقه من الدولة المصرية: «أنا موافق أعيش فى الجهل أنا وولادى وأسرتى دون التخلى عن مصريتى». انتظر «أوشيك» كثيراً دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى، للقائه، كما التقى بقية شيوخ القبائل بعد وصوله للحكم، ولكن الانتظار طال ولم يتحقق الحلم: «إحنا أولى باللقاء، نحن نعيش بدون أدنى حقوق يستحقها الإنسان»، ولكن ساخراً يعود ليرد على نفسه: «بس حتى لو كانت جات لى دعوة مكنتش هعرف أعبر بوابة الشلاتين للقاهرة عشان مش معايا بطاقة»، ويستطرد: «دون أوراق ثبوتية لا يوجد لديك أى حقوق».
وبالقرب من أحد الأكواخ فى عزبة العالى، يقف «أوشيك عيسى» رجل أربعينى السن، كث اللحية، من أبناء قبيلة الأتمن، ينتظر وصول عربة المياه بفارغ الصبر، لكى يشترى منها ما يكفى أسرته: «نشترى المياه فى الوقت الذى تحصل عليها جميع القبائل مجاناً»، يقول «عيسى»، مشيراً إلى أنهم يشترون مياه محطة التحلية بـ14 جنيهاً للطن الواحد، بخلاف شراء مياه الشرب العذبة التى تباع فى المدينة، ويقود «عيسى» سيارته ذات الدفع الرباعى، التى لا تحمل لوحات، لا يستطيع أن يتحرك بها إلا من منزله إلى محله الذى يظهر فى أحد الأركان المنزوية من السوق: «أنا مش معايا ورقة واحدة تثبت إنى موجود وعايش حياتى فى البلد ديه هيكون للعربية اللى راكبها ورق ولا أرقام؟».
«أوشيك» شيخ القبيلة: نحن مصريون أصلاء أباً عن جد.. وموجودون هنا «قبل وجود الحكومة».. وأبناؤنا يلجأون للانتماء لقبائل أخرى للوصول للجنسية
ولكن «عيسى» يرفض التنصل من قبيلة «الأتمن» التى يعتز بانتمائه لها، من أجل الحصول على بطاقة رقم قومى وأوراق ثبوت تمكن نجله من دخول المدرسة لكى يتعلم ويكون له مستقبل، ويقول إن بعض الأتمن لم يجد بداً من التنصل من القبيلة، والحصول على بطاقة وأوراق ثبوتية من خلال قبائل أخرى، فلا أحد يعرف التفريق بين البشارى والأتمناوى، مشيراً إلى بعض أفراد الأتمن الذين يملكون أوراقاً ثبوتية حصلوا عليها فقط من خلال الإعلان عن انتمائهم لقبائل أخرى، حتى يستطيعوا أن يعيشوا حياة كريمة وتكون لهم حقوق كما كانت عليهم واجبات.
500 نسمة عدد أفراد قبيلة «الأتمن» بمدينة الشلاتين ويعيشون فى قرى العالى والصول
«حلة» الرشايدة
عين واحدة لا تكفى الطفل الصغير «سالم» ذا الثمانى سنوات لكى يبصر العالم من حوله، يتطلع بين حين وآخر، يدقِّق النظر رويداً رويداً، فى مهمة شاقة لكى يهشّ على الغنم التى ترعى أمام كوخه الخشبى، حيث ابيضت عينه اليسرى وهو فى المهد، لم يكُن أكمل شهره الأول فى الحياة، حينما باغت عينيه الرمد، حاول والده «صالح حامد» أن يتجه به نحو أقرب مستشفى لعلاج المرض، فى مدينة أسيوط التى تبعد مسافة تصل إلى 1000 كيلومتر عن مقر إقامته فى مثلث حلايب وشلاتين، ولكنه وصل متأخراً.
أقرب مستشفى يبعد عن مقر إقامة «صالح» 1000 كيلومتر.. وابنه أصيب بالرمد فأصبح بـ«عين واحدة» بسبب انتظاره ثلاثة أيام أمام البوابة للسفر إلى أسيوط
انتظر الرضيع كثيراً حتى إصدار تصريح بالمرور من بوابة الشلاتين، ثلاثة أيام حتى صدر، ومثلها فى الطريق، كانت كافية لكى ينهش الرمد مقلتيه، حيث يحرّم على أبناء قبائل الرشايدة القابعين فى صحراء شلاتين العبور نحو المحافظات للعلاج إلا بتصريح أمنى من إدارة شئون القبائل التابعة لإحدى الجهات الأمنية، حيث لا يمتلك أى منهم أوراقاً ثبوتية أو بطاقات تحمل الجنسية المصرية.
تهبّ بين حين وآخر رياح عاتية، تقتلع الخيام، وتدمِّر بعض الأكواخ الخشبية، ولكن رغم ما تأتى به من خراب كان لهم فأل خير، تنبأ بقدوم المطر، الذى يعمّ مع الخير على البادية، التى أصابها التصحر، ودمرها نقص المياه، خلال سنوات من الجفاف، يقف مسعود داغر، شيخ قبيلة «دى نجم» أحد بطون قبائل الرشايدة، يقول بعصبية مفرطة: «نحن نعيش فى ظلم كبير، ليس لنا أى حقوق كبقية القبائل التى تعيش فى الشلاتين، ومحدش فينا معاه أوراق ثبوتية، ولا أى شىء يثبت وجودنا على قيد الحياة من الأساس».
ولكن تلك الأوراق التى يصفها بأنها «مثل الماء والهواء»، لا تهمه بقدر ما يهمه علاجه ابنته التى أصابتها وعكه صحية وتعيش طريحة الفراش منذ أسبوع فى انتظار ذلك التصريح الذى يصفه بـ«اللعين»، والذى يستغرق استخراجه يومين، وفى بعض الأحيان يصل إلى أسبوع، ويتذكر الرجل الستينى حينما جاءت قبائل الرشايدة إلى الشلاتين: «إحنا لما جينا هنا كانت الشلاتين كلها بيت واحد عبارة عن كشك خشبى»، ويشير «داغر» بسبابته إلى عدد من المنازل الحجرية المتهدمة، ويقول إن عدداً من أبناء قبيلته بناها من الطوب الحجرى ليأووا إليها بعيداً عن الرياح والأمطار، ولكن الحكومة هدمت تلك المنازل لمنع البناء على أراضى الدولة، ولا يقتصر الأمر على ذلك ولكن ليس من حق الرشايدة التقدم للحصول على أى منزل من المنازل التى تبنيها الحكومة ضمن مشروع التوطين لنقل قاطنى الأكواخ إلى مبانٍ آدمية.
قبيلة الرشايدة يعيش فى حلة الرشايدة ست قبائل «دى سلمى ودى معيوف ودى حجى ودى حديش ودى نجل ودى نجعان». يصل عدد قبائل الرشايدة فى مثلث حلايب وشلاتين إلى 2000 نسمة. يعيشون على مساحة قدرها سبعة كيلومترات على بعد 10 كيلو من مدينة الشلاتين. للرشايدة عادات وتقاليد صارمة لا تسمح بالزواج من خارج القبائل، ولا تسمح لقبائل أخرى بالعيش معهم.
ملامح الرشايدة تختلف عن بقية المنطقة، فيظهرون ببشرة بيضاء اللون، ويرتدون الملابس الحجازية، وتظهر نساؤهم يرتدين عادة البرقع المرصَّع بالصدف، وعادة ما يكون مخملياً وبألوان زاهية، يأوى الرجل إلى إحدى الحصر التى افترشها عدد من الشباب فى وسط «الحلة»، يجلس وسطهم، ويقول بكل قوة: «إحنا وُلدنا على تلك الأرض ونعيش فيها، نحن مصريون ولا نعرف وطناً غير مصر، جئنا من الحجاز منذ زمن بعيد، إلى تلك البقعة من الأرض، وما دامت تلك الأرض مصرية، فنحن بالتبعية مصريون»، يعلو وسط الجلسة صوت سعد حامد سعيد، عشرينى العمر، وهو يقول بملء فمه: «لو يعرفوا لنا بلد غيرها يودونا ليها، أو يسيبونا نخرج ونشوف وطن تانى»، وأكثر ما يؤرقه تلك المحاولات الحثيثة لحفظ طريقة رسم اسمه، ولكن فى كل مرة يفشل، لم يدخل المدرسة ولم يعرف للكتاتيب التى تنتشر فى مدينة الشلاتين طريقاً، لا يحفظ من القرآن إلا الفاتحة وبعض السور القصار لتساعده على الصلوات، ويقول بكل امتعاض إن «جميع قبائل الرشايدة هنا أميون، لا أحد هنا يعرف كيف يكتب حتى اسمه، ولا يجرؤ أحد من أبناء قبائل الرشايدة على التقديم لنجله فى مدرسة الشلاتين، مش معانا بطايق، ومغضوب علينا، ولا نعرف سبب واحد لكل هذا الظلم».
بجلبابه الرمادى الملىء بالشحوم، يمتطى «سالم مسلمى» دراجته البخارية، للتوّ حضر من السوق، يترجل نحو «المجلس»، يقبِّل أحد أصدقائه من أنفه ويقول بأساريره المنفرجة: «مبروك المطر»، فتلك الرياح الترابية التى همَّت فحملت واقتلعت الخيام، كانت حاملة نبأ قدوم المطر الذى ينتظرونه منذ زمن: «التصحر دمر البادية وقضى على الحيوانات»، مشيراً إلى كثير من الإبل التى تحللت أجسادها على مقربة منهم، يشير إلى تلك الدراجة البخارية التى يستخدمها فى التنقل، وسيلته الوحيدة هو وأهل قبيلته، ينطلق بها وسط الصحارى، يخترق بها المدقات الجبلية يومياً ليصل إلى مقر إقامته وسط أهله وعشيرته، ولا يستطيع أن يعبر بها البوابة نحو قريته الأثيرة، حيث لا يمتلك أى أوراق: «هو أنا معايا بطاقة ولا أى حاجة تثبت شخصيتى عشان يبقى معايا رخصة قيادة ولا ورق للموتوسيكل؟».
شيخ مشايخ القبائل يتحكم فى سوق الجمال والتبادل التجارى بين مصر والسودان
فى سوق الجمال يجلس القرفصاء على أريكة خشبية متهالكة، إلى جوار قطيع من الإبل، تتوافد عليه العربات المحملة بالجمال، يوجه رجاله بإنزالها، وضمها لباقى القطعان الواقفة على مقربة ذلك الكوخ الخشبى الذى يستقر به الشيخ «أحمد مسلم مسلمى» شيخ قبيلة «دى سلمى» وشيخ مشايخ قبائل الرشايدة، من مجلسه يتحكم فى سوق الجمال، وحجم كبير من التبادل التجارى بين مصر والسودان، لا تدخل ناقة ولا جمل إلا بإذن منه، وتحت إشرافه، لا يبدأ حديثه إلا بـ«صلى على النبى»، يتحدث بلكنة بدوية وبلغة عربية فصيحة، لا يخلو مجلس الشيخ من أبناء عمومته من قبيلة الرشايدة المنتشرين بالمحافظات، ويشير بسبابته: «هذا من أسوان وهذا من سوهاج، وهذا من إمبابة»، يعملون معه على نقل الجمال من السودان إلى شلاتين، بالأجرة، فالشيخ الذى يمسك بقبضة يده سوق الجمال بين مصر والسودان لا يستطيع أن يبرح مجلسه نحو القاهرة أو نحو السودان، فكل ما يمتلك هو تلك البطاقة التى تسمح له بالوجود بين أهله وعشيرته فى حلة الرشايدة، على بعد سبعة كيلومترات من مجلسه فى سوق الشلاتين.
وكان عام 2008 «سنة شؤم» عليهم، حيث منعت شئون القبائل إصدار تصاريح الخروج للرشايدة للسودان، لمباشرة تجارتهم، ولا أحد يعرف سبباً لذلك، وحين سأل الشيخ مسلم جاء الرد: «ممنوع على الرشايدة».
تأتى إبل الرشايدة من مصر والسودان فى مجموعات كبيرة من السودان تضم ما بين 100 إلى 200 جمل، فى رحلة تستمر لمدة 17 يوماً على الأقل، ويطلق على كل مجموعة منها «الحافلة»، وأكثر ما يوجع الشيخ «مسلم» أنه لا يستطيع هو وعشيرته من تجار الجمال أن يأتوا بأنفسهم بالجمال، ولكن يعتمدون على رعاة بالأجر ليأتوا بها من السودان حتى تسليمها لهم فى السوق.
وإلى جواره يجلس «محمد جمعة» مقطب الجبين، ويقول ممتعضاً: «أنا رشايدى ابن عم الشيخ بس من أسوان»، يغمد يده فى جيب جلبابه الصعيدى، ويخرج بطاقة الرقم القومى ويشهرها، قائلاً «أنا مصرى وابن عمى مصرى وأجدادنا ولدوا هنا وأجداد أجدادنا جاءوا إلى المنطقة منذ الأربعينات، منهم من اتجه للمحافظات فأخذ أولاده الجنسية المصرية بكل سهولة، ومنهم من قرر أن يكمل حياته فى مثلث حلايب فلم يحصل على أى شىء».
«نحن هنا نعيش من سنين، من الأربعينات والخمسينات نعيش على تلك الأرض»، يقول الشيخ «مسلم»، ويخرج من جيبه تلك البطاقة التى تحمل «ش.ٌ ق» والتى تسمح له بالإقامة فقط داخل حلة الرشايدة ،ويشير إلى مدة انتهائها التى تظهر أنها انتهت منذ 15 سنة، ولم تجدد لرشيدى واحد بطاقة «ش. ق» من إدارة شئون القبائل، وفى كل مرة تُقال لهم الكثير من الحجج الواهية التى فرغ صبرهم منها: «انتهت خالص وملف القبيلة موجود عند شئون القبائل ورقمه 287، الطفل اللى بيتولد ما يتعمل له شهادة ميلاد»، تقترب الشمس من المغيب، يهم «مسلم» للرحيل، يمطى دراجته البخارية، ويتوجه نحو مدق ترابى شديد الوعورة، هو الطريق الوحيد للوصول إلى منزله بالحلة على بعد ما يربو على عشرة كيلومترات، يمر فيه على الكثير من الجمال التى ماتت جوعاً جراء الجفاف الذى حل على البادية، بدا الرجل سعيداً بتلك الرياح، واقتراب هطول الأمطار، وحين وصل الشيخ مسلم إلى «الحلة» كان قد حل الظلام الدامس، لا يوجد إلا ضوء خافت من تلك الشعلات النارية والحطب الموقد أمام بعض الأكواخ الخشبية: «طبعاً معندناش كهربا»، يقولها وكأن تلك الحالة عادية، واعتدنا على أن يرى هو وقبيلته تلك الإضاءة المنبعثة من مدينة الشلاتين على مرمى البصر، دون أن يحصل عليها.

تعليقات
إرسال تعليق