رحلة خوف مع «فناطيس الإرهاب» فى سيناء






وجوههم عابسة مثقلة بالهموم، يجلسون حول موقد الشاى بعد العودة من أول رحلة على العربة التى تحمل «ماء الحياة» للقرى المحرومة، وجنود الجيش فى الأماكن الأمنية النائية التى لا تصل لهم مياه شرب، لكن بعدما حملت العربات فى جوفها المواد المتفجرة، وتوجه الانتحارى بها صوب كتيبة «101» باتت علامة «الموت والخراب».. ولم يمر اليوم حتى عاود الإرهاب الأسود استخدام عربات «فناطيس المياه» لتفجير كمين «الجورة»، بعدما ملأه بأطنان من المواد المتفجرة، «الوطن» حاورت سائقى عربات المياه لتتعرف على أسرار عملهم، ورحلاتهم اليومية، وحالهم بعدما أصبحوا جميعاً محل شك وريبة.

 داخل غرفة صغيرة فى مقدمة جراج الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحى، يجلس بملابسه الرثة الملطخة بالسواد، والشعر المنحسر عن جبهته، محمد الأسدى، بعدما عاد من أول رحلة على عربة «فنطاس المياه» بعد تفجير الكتيبة «101»، فهو دائماً ما يقوم بنقل المياه للهيئات الأمنية، صحا اليوم عابساً، يخشى من توزيعه على إحدى الجهات الأمنية التى طالما توجه إليها، فعربته أصبحت موصومة بالتفجير والدمار، وما خشى منه حدث. ارتجف قلبه حين أخبره رئيسه بضرورة نقل «المياه» إلى مبنى المخابرات، وطالبه «الأسدى» بضرورة إبلاغهم بتوجه العربة، فحسب الجدول، فإن ذلك اليوم هو موعد نقل المياه إليهم، ما يتطلب إخبارهم، يقول: «العمر واحد والرب واحد والعربية ديه فجرتهم من كام يوم.. لما أروح ويشوفونى هيسموا عليا؟». ما توقعه «الأسدى» وجده.

 يقول إن معاملة الكمائن تغيرت معه، فالعربة التى كانت صديقة الكمائن، يستقبلونها بالترحاب، ويعرفون سائقيها عن ظهر قلب، لأنهم من يأتون إليهم بالمياه، الآن باتت مصدر خوف وقلق وتوجس: «المعاملة اتغيرت بعد التفجير. قبل كده كنت بعدى عادى، حتى من غير تفتيش، دلوقتى بيثبتونى من مسافة بعيدة».. ويستطرد: «لازم أقف بعيد عن الكمين، وتفتيش جامد جداً وماعديش غير بعد ما العربية كلها تتقلب فوقيها وتحتيها، ويفتحوا الخزان يتأكدوا إن فيه ميه»

. لم يقف الأمر عند ذلك الحد، فحين وصل «الأسدى» بالقرب من مبنى المخابرات العامة، أشار أحد الجنود له بالوقوف عند مسافة بعيدة، وكان إلى جواره اثنان من الجنود جهزا أسلحتهما، وأشهراها تجاهه: «كان عندى اعتقاد أنهم هيضربونى خلاص، بعد اللى حصل حقهم يعملوا أى حاجة، بس إحنا مالناش ذنب»، ويشير إلى أن قلبه كان يرتجف منذ الصباح عندما ملأ الخزان من حى الزهور كعادته، وعلم أنه سوف يتوجه لمبنى المخابرات: «كنت مرعوب مش قلقان، وكنت حاسس إنى خلاص هموت»، وحين ترجل عن العربة اعتذروا له، فهم يعرفونه، لكن العربة أصبحت هاجساً بالموت: «قالولى معلش إحنا آسفين، بس انت عارف الظروف»، وينهى كلامه خائفاً رافضاً التصوير أو الظهور بوجهه: «ممكن أظهر فى الصورة وبعدها أتصفى، إحنا عايشين فى منطقة حرب». 

«كل سواق بيقول الشهادة ويطلع يشوف شغله».. يقولها محمد راشد، المسئول عن توزيع السائقين على القرى يومياً، وفقاً لجدول موضوع مسبقاً، ويضيف أن الشركة تدعم 25 قرية بمدينة العريش بالمياه، وهى القرى التى تقع على أطراف المدينة. «راشد» يتحدث لـ«الوطن» بتحفظ شديد: «سواقينا معروفين للكمائن»، مشيراً إلى التنسيق الدائم بين الجهات الأمنية التى تتجه إليها العربات، ومكتب الحملة، قبل تحرك العربة من الجراج: «بننسق معاها وبنبعتلها إشارة»، وينفى أن تكون العربة التى استخدمت فى تنفيذ العمليات الإرهابية تابعه للحملة، يقول باندفاع شديد: «من الآخر التانك اللى اتفجر كان مسروق من شهر ونص، وكمان مصفح» يقاطعه أحد السائقين الجالسين إلى جواره، ويتساءل باندهاش: «أول مرة أشوف تانك مصفح»، ويرد «راشد» بكل ثقة وهو يهز رأسه: «خدوه شهر ونص وصفحوه ضد الرصاص» مشيراً إلى أن صاحب العربة، أبلغ الشرطة بسرقته، لكن الشرطة لم تهتم بالبلاغ: «مفيش عربية بتتسرق حتى لو ملاكى، إلا ويتعمل بيها مصيبة».

 يقف فى وسط الجراج، ينادى على الغفير، ويسأله بثقة: «إحنا عندنا كام عربية فنطاس ملهاش نمر»، فيرد الأخير: ثلاث، يعود ليقول: «ماقدرش أطلع التلاتة دول مأموريات. وواقفين أهم لحد ما نطلّعلهم نمر»، ويكذب أى شاهد عيان رأى عربة الفنطاس بدون نمر، هى تسير فى الشوارع وقت الحظر قبل التفجير بدقائق: «محدش يقدر يطلع فى البلكونات وقت الحظر، هينزل الشارع؟»، وعن وصول العربة للكتيبة يقول: «هو ده بقى اللغز اللى محدش يعرف عنه حاجة»، ويهاجم فرض الحظر: «مامنعش المصيبة، بالعكس الفنطاس مشى وقت الحظر وعمل عملته والحظر مامنعوش». ويضيف بهدوء: «محدش خايف يشتغل. مسلمين أمرنا لله»، مشيراً إلى إرسال عربات لمديرية الأمن والكتيبة «101» دون خوف. 

يقف إلى جوار إحدى العربات، ويقول إن أهل سيناء يفضلون «فناطيس» شركة المياه على فناطيس الشركات الخاصة، رغم رخص ثمنها، فهى غير مغلقة ولا تطهر كعربات الشركة التى تطهر فى «الصحة» كل 15 يوماً وكل سائق لديه شهادة صحية، لكنه يشير إلى أن عدد عربات الفناطيس الخاصة أكبر مما تمتلكه الشركة.

 سائقو «الفناطيس» دائماً ما يوجدون فى مناطق الخطر، دائماً معرضون لطلقات النيران، فالقرى التى يتجهون صوبها كل يوم كثيراً ما تكون ملاجئ للإرهابيين، ومسرحاً لعمليات الجيش لتصفية البؤر، وطالما دخلت العربة، حسب رواية «حسان أبوهديت»، سبقتها قوات الجيش للقيام بعمليات أمنية. «حسان» يعمل على عربة الفنطاس منذ أكثر من ثمانى سنوات، هى مهنته ولا يعرف غيرها، ورغم كل ما حدث انطلق اليوم: «الناس مستنية مننا الميه مش هنقطعها عنهم»، لكنه عاد بالسيارة من منتصف الطريق عند كمين «الغاز» بعدما رفض الجيش عبور أى عربات مياه بعد الحادث من الكمائن الأمنية، واليوم يرى الأمور طبيعية، ولا يشعر بأى ضيق، لا ينكر أن هناك تغييراً فى المعاملة على الطريق، لكنه فى النهاية يقول: «البلد كلها حالتها زى الزفت، ماجتش علينا» 
للتو عاد «حسان» من قرية أبوطويلة التى يتجه إليها يومياً منذ أربع سنوات، لا يقتصر دوره
 وزملائه من سائقى عربات الفناطيس على القرى والجهات الأمنية، ولكنها المغذى الرئيسى للكمائن الثابتة للجيش والشرطة على الطريق الدولى، ورغم معرفة أفراد هذه الكمائن للسائقين، فإنهم الآن باتوا محل شك، وهو ما يراه أمراً عادياً: «البلد فى حالة حرب، حقهم، وعربية زى اللى أنا سايقها دى موتت كتير من زمايلهم». 

وإلى جواره يقف أحد السائقين، يتحدث بهدوء وصوت خافت، يقول بكلمات مقتضبة: «من قبل ذكرى 25 يناير وهناك أخبار عن وجود عربات فنطاس مفخخة، والكمائن نبهت على سائقى العربات بالحذر، لأن هناك تحضيراً لعملية إرهابية باستخدام عربة تشبه عرباتهم التى يقودونها وهم يبحثون عنها». فى أحد الشوارع الضيقة المتفرعة من الطريق الدولى، بالقرب من حى البحر، تقف إحدى العربات، تحت منزل صاحبها «الحاج حمدى القلعانى»، يقول إنه جلس قبل أيام فى منزله، وقلبه يعتصر على شهداء الحادث الإرهابى، ورغم تضرر «لقمة عيشه» من استخدام الإرهابيين لعربة فنطاس كالتى يعمل عليها، فإنه لم يتأثر بذلك كتأثره بسقوط الشهداء والمصابين: «الرزق ده من عند الله. وإزاى الناس دى تعرف ربنا. الدين برىء منهم». يصحو «القلعانى» العجوز كل يوم ليصلى الفجر وينتظر حتى تأتى عقارب الساعة عند السادسة وينتهى الحظر ويخرج ليقود سيارته: «لازم يكون فيه انضباط ماينفعش أخترق الحظر»، يقول إن الكثير من العربات الأخرى تبدأ العمل من قبل انتهاء فترة الحظر، لأنها لا تمتلك ترخيصاً وتسير دون لوحات. 

العجوز صاحب الـ64 عاماً يعمل على عربته منذ 15 سنة، يقول إن عدد عربات «الفنطاس» فى العريش 50، منها 40 أو يزيد، لا تمتلك أوراق ترخيص وتسير بدون أرقام، وبعضها يضع أرقاماً وهمية، وعادة تسير فى طرق وشوارع بعيدة عن الكمائن، فعمله فى المساعيد: «بنشتغل فى حتة مفيش كيلو ونص، ومابعديش على كمائن»، ويشدد على أن أكثر من 90% من العاملين فى تلك المهنة يعملون بشكل غير شرعى، ولهم طرقهم التى يعرفونها عن ظهر قلب بعيداً عن أعين الكمائن وقوات الأمن. وخرجت «الوطن» برفقة حملة أمنية فى شوارع العريش، لتبحث عن السيارات المسروقة التى كانت سبباً فى الحادث الإرهابى، بعد سرقة عربة الفنطاس، ولم تمر دقائق حتى ضبطت قوات الأمن خلال العملية التى بدأت من فوق جسر الوادى، سيارتين مسروقتين.[ThirdQuote] يتحرك مساعد مدير الأمن من موضعه إلى الطريق الدولى خلال العملية التى وصفها بأكبر الحملات الأمنية لضبط السيارات المسروقة، التى تستعمل فى العمليات الإرهابية، يقول إن أكمنة القوات المسلحة منتشرة بالجبال، كما تنتشر أكمنتهم فى جميع الأنحاء، وعن تلك السيارات التى تسير فى الشوارع دون لوحات، يقول إن القوات المسلحة والأمن المركزى، بالإضافة لمجموعات بحث عالية من الأمن العام والوطنى، تعمل على ضبط تلك العربات ومصادرتها.

تعليقات